غربة الحنين


[١/‏٩ ٤:٣٠ م]
د٠ عبدالله ناصر القرني:
رووووووعة
تمنيت من كاتبها أن يضع اسمه حفظا للحقوق فقد أبدع...

*(غربة الحنين إلى أعماق القرية) ١٣٨٠-١٣٩٥هـ*

كانت الناس في ثمانينات القرن الهجري الماضي
- خاصة في معظم قرى السعودية - تدور في محيط قبائلها، تحرث مزارعها، وتبني ديارها، يسكن الولد
- إذا تزوج - مع والده...

*ويعيش الجميع بمفهوم الأسرة الواحدة... وهكذا*

*عاش الناس ردحا من الزمن ثم ماذا...*

ثم فتحت المدينة ذراعيها لأهل القرى، تغريهم بالوظائف، ورغد العيش؛ فذهب من كل قبيلة ثُلَّة لتحسين الوضع سنتين أو ثلاث، ثم العودة والاستقرار في مسقط الرأس...

ولكن القادم من المدينة كان يعود لقبيلته وقريته بهيَُّّ الطلعة، جميل الملبس، لديه المال والسلاح...

فتحيي القبيلة والقرية لاستقباله الأفراح، والليالي الملاح، وما درت أنها بهذا الاحتفاء تبذر حب الرحلة في قلوب الجيل الصاعد، وتقطع من لحم ذراعيها لتطعم المدينة بأغلى مقوماتها وعدتها...
*"فلذات أكبادها"...*

*لكِ اللهُ أيتها القبيلة والقرية، كم كنت كريمة وأصيلة...*

*تغذين المدينة بقمحك ودُخْنك وبُنِّك...*
*تمدينها بالسمن والسمين، وبالجِلد المدبوغ والمرَس المربوع...*
*ولكنك بالغتي في الكرم؛ فمددتِ المدينة بالسواعد السمراء المفتولة، التي كانت تحرث وتقلع وتقطف البن وتزرع، وتحطب وتسرح، وتذرِّي وتمرح، وتحفر وتنثل وتبني وتكْحل...*

*عندها أيتها القرية والقبيلة فقدتِ أعظم مقوماتك...*

*فهل يا ترى ستستعيدين من المدينة ما أخذت منك، وهل تعودين لعصرك الذهبي، متوشحة بزينة العلم وقوة المال وصلابة الرجال؟!*

*هل ستعودين بمزارع منتجة وأجيال متوثبة، وقلوب صافية نقيه؟*

كلما تأملت التجاذبات بين المكانين والمكونين الاجتماعيين يتوهج الحنين وتنثال عليَّ أسئلةٌ شتّى تقول:

*أين القرية التي كانت تستيقظ مع الفجر ولها دوي كدوي النحل؟*

*أين القرية التي كانت تتمتع باكتفائها الذاتي؛ فتأكل من حَبٍ بذرته، ثم حصدته، سمنها من حلال مراعيها لا من شركة المراعي*

*والعسل من مناحل نحّالة محليين، وجرّامة أصليين.*

*أين القرية التي تستقي ماءها في قربة من صنع نسائها، وتحرث أرضها بمحراث قُطع من سدرة قريبة أو سيالةٍ مجاورة لها ثم صُنع محليا وبأيدي أبنائها.*

*أين القرية التي تخرج سوارحها ضحىً كأنها قِطعٌ من نوِّ الخريف تتمازج أصواتها ببدوع رعاتها لتؤلف أعذب أغنية بين القرية ومراعيها؟*

*أين القرية التي تسمع للعَمَّالة فيها أصواتا وزملات، فهذا يقترع ضمدَه ويفدّي، وذا يدمس ليجلّب، وثالث يوسّد ويبدّع...*

*وربة دار تلحقهم في الغدوة بزنبيل تتطاول مع جوانبه قرصان البر وتتمايل، وبراد الشاي المحجل بالسواد يوحي بجلسة استراحة لا أروع ولا أهنأ منها، نشم فيها رائحة الطين المحروث في بساطة وتآلف لا تجد لهما مثيلا.*

*أيتها القرية أين صلاة العيد التي كانت لها فرحة تطرد النوم من ليلته؟!*

*أين التزاور يوم العيد والمرور على كل بيت، وأين طلائل البرك والشيح والريحان التي كانت تزين رؤوس الشيبان وجيوب الشباب.*

*أين مهرجان العرضة الخفيفة بعده ابتهاجا بالانجاز وادخالا للسرور في كل مكان، لقد كانت القرية تغنَّي رغم التعب والإجهاد، إنها تصنع الفرح رغم قسوة الحياة.*

*أين المناصع البعيدة التي يتبارى فرسان الرماية في كسرها في إشارة على الاستعداد للحرب وكسر العدو؟*

*أين لقيمات من الظهرة والورك من لحم التقطيعة التي يظفر بها كل من يوشي وينزع ويقطِّع؟*

*أين الطفاه، أين النُّصده، أين الصحفة، أين أقداح المرق التي كُنَّا نتسلّى بها في "الجرين" بعدما نُدْني الضيوف؟*

*أين أكرمْ يا مضيفنا، وأكرم الله ضيفاننا وجماعتنا...*
*واخلف الله عليك.*

*يا سقى الله تلك الأيام على ما فيها من صعوبات ومشقة، فلها في القلب حنين، وتذكارها ينتزع من الصدر الأنين...*
*المنبيء عن حب دفين.*

*سلامٌ عليك أيتها القرية والقبيلة، وتحية أبعثها*
*- رغم غُربة هذا الزمن -، وفاءً لك، مسلِّما عليك، وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي.*