التجاوز عن الهفوات


حاول أن تغُضَّ الطرف، وأن تخفض البصر، خاصة في توافه الأمور وصغيرها، وفي الأمور الدنيوية الدنيئة؛ لماذا؟ لأنك تتعامل مع إنسان كثير الخطأ.


فلا تكن شديد الملاحظة، قويَّ العبارة، على كل هفوة، وأي زلة، تتبع أيَّ عبارة تصدر، فتحملها على تأويل سيِّئ؛ فهناك أخطاء تصدر من الطرف الآخر تكون غير مقصودة؛ فلا تستعجل في الرد، أو الحكم الجائر؛ فأنت كذلك تخطئ.


يقول أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لمَ فعلتَ كذا وكذا، ولا عابَ عليَّ شيئًا قط"[1].


• خذ باب الصفْح، واجنح إلى العفو ما استطعتَ إلى ذلك سبيلاً، يقول سبحانه: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ [الأعراف: 199]، ولأن تخطئ في العفو وتسرف، خيرٌ من أن تتجاوز في العقوبة.


• أوجدْ لأخيك العذرَ فيما قال، وإن لم تجد له عذرًا، فقل: لعلَّ له عذرًا، وأنا لا أدري.


وأسلوب التعامل فيمن يقع في الخطأ مهمٌّ جدًّا، فتذكَّرْ أمريْنِ إذا أردت تصحيح الخطأ:

الأوَّل: النيَّة؛ فاستحضر النيَّة الصالحة، فأنت في عمل يخدم الدعوة، وينير الطريق للمخطئ، وتثاب عليه.


الثاني: تخيَّرْ في الوقت نفسه الأسلوب الجميل، والتصرف الحكيم، والكلمة الطيبة، التي لها تأثير فيما تقول، وذلك حسب المقام والحال، فتتعامل مع المخطئ بروح المُشفق، ولسان العطوف.


وانظر إلى موقف رائع وجميل، يتجلى فيه مكارم الأخلاق، ويشرف فيه خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يتعامل مع الخطأ.


يقول معاوية بن الحكم رضي الله عنه: "صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلتُ: واثُكْلَ أُمَّاه، ما شأنكم تنظرون؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرَفتُ أنهم يصمِّتونني، فلما رأيتهم يُسكتونني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي - ما ضربني ولا سبَّني، وفي رواية: فما رأيت معلِّمًا قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ((إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن))[2].


وقصة الصحابي الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، فقام الصحابة لينهروه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فتُرك حتى فرغ من حاجته، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، ووجَّهه توجيهًا نبويًّا رفيقًا بقوله: ((إن هذه المساجد لا تصلح لهذا؛ إنما هي لذكر الله والصلاة))، فقال الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك: ((لقدْ حَجَّرْتَ واسعًا))[3].


وأذكرُ موقفين رائعين في كيفية التعامل مع من ارتكبَ خطأً:

الأوَّل: أن زين العابدين علي بن الحسين خرج من المسجد يومًا، فاعترضه رجل في طريقه فسبَّه، فقام الناس إليه يريدون ضربه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه، وقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل، فألقى عليه خميصة، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل إذا رآه قال: "إنك من أولاد الأنبياء".


الثاني: ومرة كان يتوضأ فصبَّ عليه مولاه ماءً حارًّا، ففزع وغضب، فقال له: والكاظمين الغيظ، قال زين العابدين: كظمتُ غيظي، قال: والعافين عن الناس، قال: عفوتُ عنك، قال: والله يحب المحسنين، قال: اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله.


• كلَّمني شخص وقال لي: إن ابني المتزوج حديثًا لديه مشكلة، وإن سمحت لنا نريد أن نقابلك، فممكن تحدِّد لنا وقتًا؟ وبعد يومين أو ثلاثة طرقوا الباب، واستقبلتهم وكانوا ثلاثة، فطلبتُ من صاحب الموضوع أن نجلس وإيَّاه على انفراد، وقلت له: تفضَّلْ تحدَّثْ، فقال: تزوجتُ قريبًا، وذهبت أنا وزوجتي في نزهة، ونحن نتحدث، وفجأة يرن جوالُها، فتقطعه، ثم يرن ثانية وثالثة، ولم ترد، فطلبت منها أن تردَّ، وإذا به يكرر الاتصال، يقول الرجل: فغضبتُ، وتكلمت عليها، ثم اتهمتُها بأنها تعاكس الرجال، وتحولت نزهتنا إلى كدر، وطلبَتْ مني أن أوصلها إلى بيت أهلها، وبعد أيام، أرسلَتْ لي رسالة: "أنت في طريق، وأنا في طريق"، فقلتُ له: لقد أخطأتَ على زوجتك، وأخذتُ في نصحه وتوجيهه في حسن التعامل مع الزوجة، والتغاضي عن مثل هذه الأمور، ونحو ذلك، ثم قلتُ له: هل أنت نادم على فعلك؟ قال: نعم، قالها بحسرة، قلتُ: وهل تريد أن تعيد زوجتَك، وتفتح صفحة جديدة؟ قال: نعم، قلت له: أرني رسالة زوجتك، فلما رأيت الرسالة، وإذا فيها كلمات طيبة، وفي آخرها دعاء له، فقلت: سبحان الله، أرى أن هذه المرأة فيها خير، فلم تشتمْك، أو تدعو عليك؛ لأنَّك اتهمتَها في عرضها.


فكتبتُ له مجموعة رسائل قصيرة، بعبارات جميلة، فيها التأسُّف منه على ما بدر منه، وأنه نادم على فعله، ويتمنَّى أن تعود المياه إلى مجاريها، فاختار واحدة منها، وطلبت منه أن يكتبها في جواله، فلم يستطع أن يكتب، ارتجفت يدُه، فكتبتُها أنا، وطلبتُ منه أن يرسلها، وقلت له: انتظر حتى تردَّ عليك، وأخبِرْني ما سيحصل لك، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام وإذا به يتَّصل عليَّ فرِحًا مسرورًا، ويدعو لي: لقد ذهبتُ إلى زوجتي، وهي عندي الآن، وأبشِّرك، الأمور طيبة، فسألتُه: متى جاءك ردٌّ على رسالتك، قال: بعد إرسالها بساعتين تقريبًا، فعلمتُ أن المرأة فيها خير،

م/ن