العاشق الذي لا يبكي


دائماً يطرح الناس هذا التساؤل البسيط ..هل الحب يكفــي؟
هل الحب بين عاشقين من عالمين مختلفين يكفي ليجعلهم يمسكون بأيدي بعض؟
ماذا لو أحد العاشقين يرفض الآخــر؟
ماذا لو كان يستحقره ويسخر منه؟
ماذا لو كان يعرف بإن الآخــر يعشقه بجنون لكنه يرفضه لإنه من عالم آخر يختلف عنه ؟
ليته فقط يرفضــه ..ليته يرفضه بهدوء ..بل يرفضــه بأقسى طريقة ،

بسام مقاتلٌ شهير لم يصمد أمامــه حتى الوحش.. تساقط الكل أمامه ..اقوياء اشداء يتهاوون واحداً تلو واحد امام جبروتِ الصمود ، لا أحد ..لا نفس..لا بشر يجرؤ حتى على النظر في عينيه ، جمع كل القساوة في شخصه ..لم يخسر معركةً قط ..رجل تجاوز في الصلابةِ كل من كان قبله ومن سيأتي بعده ، لا يقارن بإحد ..اسطورة حية ..ايقونة صامدة ..مثلٌ يضربُ به ..شيئاً لن يتكــرر في القوة والجبروت،

ذات ليلة كان يمارس الجري في الشارع فإذ به يسمع صوت فتاةً تستنجد وتتوسل أن ينقذها أحد ..فتبع النداء وتبــعه ..حتى رأى اثنان من السكارى في إحدى الأزقة الضيقة يمسكون فتاة يريدون اغتصابها ..فذهب لنجدتها بسرعة وضربهم ضربــاً مبرحاً وكأنه يتسلى بهم ، كأنهم لعبة بين يديه ، شيئاً لا يذكر في عالمه، قامت الفتاة بشكره ورحلت وهي في حالة يرثى لــها بعد كل ما مرت به،

بعد اسبوع من ذلك الحادث دخل السوبر ماركت يسير بين ممراته وإذا به يشاهد تلك الفتاة ، ينظر إليها جيداً ويمعن النظر فيها فلم يشاهدها بوضوح تلك الليلة ..كانت جميلة جداً ..أجمل من اجمل ما رأى..تحفة ذهبية لا تقدر بثمن ..جمالٌ يصعب وصفه، فلم يتمالك نفسه أمام جمالها وهو المعروف بكبرياءه وجبروته ، فذهب يلقي عليها التحية ، فردت بالمثلِ وشكرته مرةً اخرى لإنه انقذها ثم رحلت، رحلت ورحل قلبه وراءها ..رجفان قلبه يزيد كل لحظة كأنه وقع في الغرامِ عنوة.. عشق تسلل لقلبه ولم يعرف كيف يوقفه ..عشق اخترق الفؤاد ولم يستأذن،

ظل يأتي كل يوم إلى السوبر ماركت لعله يراها فلم يعد يحتمل السهر والشوق في شقته ، ينتظـر يوم وراء يــوم حتى اشرقت شمسها عليه في محل البقالة ذاته ..وذهب إليها دون تردد وقال لــها :
- هل استطيع مقابلتك في مكان آخر..!
- أريد ان احدثكِ بأمــراً ما،

ظلت ساكتة متعجبة منه ، فقالت :
- حسنــاً..!
- دعنا نذهب بالمطعم الملاصق للمحل..!

وبالفعل ذهبوا وقلبه يتطاير ويخفق بسرعة اكثر من خفقانه وهو يضرب الوحوش في القفص، متوتــراً كما لم يتوترُ من قبل، جالسً أمامها يريد لهذه اللحظة ان تطول إلى الابد ، فقال لها:
- في الحقيقة منذ رايتك في المرة السابقة لم استطع نسيانك لحظة ..افكر بكِ على الدوام ..ليل نهــار ..في قيامي وجلوسي..انني أهيــمُ بك عشقاً،

الفتاة التي كانت متفاجئة من حديثه وقصة حبه لها ، قالت:
- لا أدري ماذا اقول لك،
- لقد فاجأتني..!

قال لها مبتسماً:
- في البداية ،
- ما اسمكِ لم أعرف؟

قالت له تضحك:
- غادة..!

قال :
- ذلك أجمل أســم..!
- لكن أنتِ ما رأيكِ في ما قلتهُ لكِ،

قالت:
- لا أعرف،
- لكن حدثني عن نفسك..!
- من أنت ..أين تعمل ..

قال :
- أنا مقاتل ،
- لو تشاهدي التلفزيون ستعرفيني مباشرة..
- والدي متوفي..
- وانا وحيد والدتي التي تعاني من عدم القدرة على الكلام..

قالت:
- إذاً أنت مقاتل ..
- يعني مثل المصارع..!

قال :
- شيئاً كهذا،

قالت له وكأنها تريد أن تحطمه:
- لكنني لا أحب هذا الذي تفعله،
- اقصد الشجار والقتال،
- اشعر من يمارسها شخصٌ بارد لا يملك أحاسيس ولا مشاعر،

قال خجلً يحاول أن يبرر مهنته:
- لا أبداً..
- اننا مثل الباقي ولكننا نحترف هذه الرياضة لا غير،
- ولا تنسي أنها تدرُ أربــاحا كثيرة،

سألته وكأنها تسخر منه ومن عقليته وتريد تدميره واحراجه:
- هل تقرأ كتب؟

تبسم متفاجئً من سؤالها وقال :
- لا ..
- لست مهتمً كثيراً بهذا الأمر،

بعد أن اجابها بذلك أيقنت تماماً ما كانت تتوقعه عن هؤلاء الذين يحترفون القتال وبإنهم جهلة ابناء شوارع لا يعرفون اللباقةِ وحياة الناس المحترمين وهم ابعد عن الثقافة والفكر ، فسألته وكأنها تستصغره:
- أنت تعرف القراءة والكتابة أليس كذلك..!

قال مبتسم في غرابته:
- هههه بالطبع،
- ليس لـــهذه الدرجة،

سألته وكأنها تعاتبه على مهنته:
- لم اخترت هذا الأمــر..!
- هناك الكثير من المجالات كي تعمل بها،

قال لها يحكي القصة لعلها تشفع له أمامها:
- لإجل والدتي ..فلقد كنت صغيراً وتربيت في حضــنها.. لم يكن لديها عداي ..ليس لها أهل ولا اقرباء ..مشردة يتيمة لا تعرف امهــا وابيها.. كانت لا شيء بالنسبة للآخرين.. لا أحدٌ يراها ..كانت بائسة تعيسة لم تبتسم قط.. كانت تقاتل ..كل يوم تقاتل في معارك عدة ..تقاتل نفسها والجميع ..تارةً تعمل خادمة وتـــارة يطردونها بعد أن يتحرش بها صاحب المنزل ..فأحببت أن افعل شيئاً لها يجعل الجميع ينظر لها بإحترام ، حاولت ان اكون قويــاً ..حاولت ان احميها من العالم ..لذلك احترفت القتال.. فأشترطت ان تجلس والدتي في منصة الرؤوساء بجميع مبارياتي القتالية مما جعلها تطير فرحً ..فكل العالم والصحف تتمنى صورة واحدة لها ..الجميع يتمنى القرب منها لإنها والداتي ..والدة ذلك المقاتل الشرس الذي لا يقهر ولا يهزم ..والدة ذلك الوحش ..والدة من انجبت هذا الصلب الرعديد.. وهذا اقل شيءٌ أفعله لــها، وهي أهم ما في الوجود بالنسبة لي..!

ظل يتحدث ويتحــدث عن والدته كطفلً لم يكبر بعد وليس ذلك المقاتل الذي ارعب الجميع ..يتحدث ويتكلمُ حتى شعرت منه بالضجر ومن سطحيةِ احاديثه التي في غالبها عن والداته وقلة ثقافته، فهي فتاةٌ من عائلة ثرية جداً تحمل اعلى الشهادات ولديها ثقافة عالية بينما هو مجرد ابن شوارع وكل حياته قتــالٌ في قتال، فقاطعت حديثه عن والدته متملمة ، وقالت له :
- حسناً ..استأذنك الآن..
- اعطيني رقم هاتفك..
- وسأفكر في الأمــر،

تركته وكأنها تخلصت من هــمً أزيح عن صدرها ..بينما هو اعتبر هذه الليلة من الليالي المخلدة في حياته وسيرويها لإحفاده ، سعيداً لإنها كانت معه ..سعيداً لإنه صارحها ..سعيداً لإنها طلبت هاتفه، تمر الأيام وتمــر وهو ينتظر وينتظـــر ولم يــرن الهاتف ممن ينتظرها ، بينما هي لا تفكر به مطلقاً واخبرت صديقاتها وقريباتها عنه وعن سطحيته وسخافة أحاديثه ومحدودية عقله وتعلقه بوالدته كطفلٌ وليس كرجلٌ عاقل ، ذات يــوم كان لدى غادة حفلٌ كبيـر في منزلهم والحاضرين رجال أعمال واثرياء ومثقفين ومشاهير من معارفهم ..فأقترحت عليها احد قريباتها ان تتصل على بسام لكي يحضــر، فرفضت الفكرة من الأساس بسبب تخلفه وشكله واسلوبه المحرج الذي لا يليق بمن سيحضرون الحفــل..رفضت بسبب كرهها له .. فحاولت قريبتها اقناعها بما أنه شخص مشهور فالجميع سيعرفه، حتى وافقت نهاية الأمـــر على مضض،

اتصلت به واخبرته أن يأتي إلى الحفل ويشرفها قدومه، لم يكن ليصدق ذلك كاد يطير فرحاً ..يصفق يهــلل يصفع نفسه تارة وتــارة اخرى يحاول تهدئة ذاته ، خرج يشتري افخم الملابس لكي تتباهى به أمام الحاضرين ، تتباهى به محبوبته امام زميلاتها ..ينتظــر وينتظر إلى ان جاء وقت الحفل ، ذهب وقلبه قد وصل قبله ، دخل يسلم على الجميع ومعظم الحاضرين قد عرفوه يرحبون به ويعبرون عن اعجابهم بقوتهم ، لم يكن بسام مهتمً كثيراً بهم وبمن اعجب بصلابته فكل ما شغله محبوبته غادة وكيف يثير اعجابها ..فرآها متوقفة لوحدها تشرب العصير فأقترب منهــا والشوق قد قتله ..اقترب منها يصارحها بما يريد ويأمل ..يصارحها بحلم حياته معها ..يصارحها بكل جرأة كما هو معروفٌ عنه ..فهمس بإذنها شيئاً مفاجئً:
- غادة ،
- هل تقبلين الزواج بي؟

اجابته بسرعة بعدما بانت على ملامحها الغضب من جرأته لطلب ذلك:
- بسام..
- أنـــا لن أتزوج بك..!
- هل أنا مجنونة؟

كان جوابــها كسهم دقيقاً أصابه في الوسط ..اسقطه وهو الذي لم يسقط من قبل ..انحنى وهو الذي لم ينحني قط ..محدودب الظهر وهو الذي لم يشعر بلآلآم الضربات على ظهره في أي نزال، رغم الجــرح الكبير الذي اصابه الا انه ظل متماسكاً يقاوم جراحه ..وغادة غاضبة تتهرب منه وتتصدد عنه ولم يستطع حتى مقابلتها في الحفل ثانية حتى جاء وقت الطعام وجلس على الطاولة معها ومع جميع الحاضرين ، شعر بإنها لا تريد التداخل معه أو النظر إليه وكأنه غير موجوداً معهم ، وكأنها لا تراه ..ذلك الحبيب يجافيه ..لا ينظر في عينيه ..عذاب القلوب محـرم ..مشتاق لها وهي أمامه ، في خضم ذلك سألته غادة تريد ان تكسر الجمود الذي حدث بينهما بعد ان طلب منها الزواج:
- بسام ..
- لما لم تحضر والدتك؟

رغم رفضها له ولكنه اجابها مبتسماً فرحــــاً بسؤالها ومحبتها لوالدته وكأنه تناسى انها رفضته:
- لا ادري ..
- ظننت الحفل لإشخاصً محددين،
- لو كنت اعلم لإحضرتها،

راحت تضحك هي وقريباتها وصديقاتها عليه ..وهو لا يدري بإنهم يسخرون منه ، ظلوا يتحدثون من على الطاولة ويتحدثون ..عند ذاك قال أحد التجار الكبار من اصدقاء عائلتها:
- احتاج إلى مدير أعمال جديد فلقد طردت مديري السابق..!

قالت له غادة ساخرة:
- احضر والدتك لكي تدير اعمالك مثلما يفعل بسام ،

فضحك الجميع من ذلك ..عندها علم بإنها كانت تسخر منه حينما سألته عن والدته قبل قليل ، ظــل ساكتً متحاملً على نفسه ..يلملم جروحه بيديه ..مشاعره تبعثرت أمامه.. صدمة مُحب ..صدمة ليست ككل الصدمات.. لم يستطع أن يفعل شيء ..ذلك الشرس المتوحش الصلب الذي تساقط الجميع في ملعبه ..ذلك الصامد كالجبل توقف بلا حركة أمام جرح عشيقته ، صامتاً ..ضائعاً ..تائهاً ..غاضباً يقاوم ذاته فلو كان شخصاً غيرها لمزقها قطعةً قطعــة وأكل من لحمها ..كاظمً للغيظ إلى اقصى حد قد يتحمله بشر ..كانت حالته مثل بركان خامد ينتظر أحدا أن يخرج ما في باطنه ..ضجيج يدوي صداه ..صخب يهز الأرجاء ..زئيرٌ مخيف ..زئيـــر أسدً مرعب ..زمجرة غضب ..شيئاً يُرجرجُ الأرض ..صرخة تهد الحيطان ..صيحة تفل الحديد ..نبرة تفتت الصخر.. فتيل قنبلة مشتعل ويقترب من البارود ويقتــرب.. لكن حينما وصل لم ينفجـــر.. لم يستطع ان يقول شيءٌ لمحبوبته ..لا يقدر حتى على الرد عليها ..لا يستطع الدفاع عن نفسه أمامها .. كل شيئاً كان ضده في قتال هذه الليلة مع غادة .. الجرح الموجع بداخله منع صوته ..حطامه مشتت ..احاسيسه مبعثرة ..مختنـــقً في عبرته ..لكنه ظل يقاوم ولم يذرف الدمع أمامهم ..لم يذرف دمعاً من قبل ..لم يبكيه أحد ..لم يجرؤ بشرٌ على ذلك ..لكنه أمام غادة تحطـــم ..كان صرحاً من خيال فهوى،

بعد تلك الضحكات والسخرية منه ومن والدتهِ وعالمه وقتاله وسطحيته قرر الرحيل ..قرر الرحيل بعدما ايقــــن تماماً بأن المكان ليس مكانهُ ..وهؤلاء ليسوا جماعته ..والحاضرين ليسوا من عالمه ..وغادة ليست فتاته ولن تكون ..تلك العشيقة كتبَ عليه ان يعشقها ولكنها تُحرم عليه ..فهي ليست له ..مختلفة عنه في كل شيء.. قال لهم بعد قناعته تلك:
- استأذنكم..
- لقد تأخرتُ على التدريب،
- لدي قتال بعد 10 أيــام..

رحل يجر إذيال الخيبةِ والهزيمة ..رحل خاسراً أمام غادة ..رحل وقد تجرع أنواع العذابِ في هواه ، وبعد أسبوعين من تلك الحادثة كانت غادة تجلس امام التلفزيون تتنقل بين المحطات ..محطة بعد محطــة ..تمعن النظر جيداً في الشاشة ..تنتقل إلى محطة أخرى تريد ان تتأكد مما تراه ..بعض قنوات التلفزيون يضعون صورة بسام ، ما الخبر.. ما الحكاية..رفعت غادة الصوت وكل تركيزها منصباً نحو الشاشة وتستمع لما يقولون عنه ،

المذيع يتحدث ..
- لقد اعلن المقاتل الشهير بسام اعتزاله القتال إلى الأبد في قرار نهائي لا رجعة فيه..!

كانت غادة غير مهتمة به ..تكرهه وتكــرهه سطحيته واحترافه ..لم يكن الأمــر مهماُ بالنسبة لها حتى أكمــل المذيع يتحدث عن حياة بسام ..أكمل وهو ينظر إلى الأسفل يطالع الأرض وليس إلى الشاشة ..كان المذيع منهاراً خجــلً مما سيقرأه ..وبصوتـــاً خافت يكاد لا يسمعه المشاهدين ذكــر شيئاً موجــع في حياة بسام ..أمـــراً مفجعـــاً كلحنً توقف الجميع ليسمعه مجبراً ،

المذيع يكمـل سيرة حياة بسام بعدما اختنق في عبرته مطأطأ الرأس:
- ومن المعروف بأن المقاتل بسام حينما كان في الثامنة من العمر..توفيت شقيقته وهي في سن الــ 11 ..توفيت لإن احدهم اغتصبها..اغتصبها أمام والدته مما جعلها تفقد القدرة على الكلام، وبسام كان يفعل لإمه كل شيء لكي تنسى تلك الجريمة البشعة التي حصلت أمام عينيها في ابنتها، يحاول كثيراً ليخرجها من تلك المأساة ..يجلس معها ..يسافر معها ..بل حتى انه يحضرها معه لنادي القتال.. وأنا بصفتي مذيع أقول لكم الحقيقة بأن ما جرى عليه مؤلــم ..شيءٌ يكسرُ القلب ..شيءٌ لا يحتمل.. ولكن بسام لم ييأس مطلقاً وظل مع والدته لعله يستطيع ابعادها عن تلك الذكرى وذلك البـــلاء، أيها المشاهدين والمشاهدات فلنقدم تحية لــهذا الرجل الشجــاع ..

غادة انهارت وهي تسمع ذلك ..صدمة ..جرح غائــر بيدها ..ذنبٌ لا يغتفر الذي فعلته ..أثمٌ عظيم.. احست بالحرج لوحدها ..خجـل شديد ..تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها ..لا تدري ماذا تفعل .الصمت طغى على ما حولها ، توتــــر رهيب انتابها ..دوامة تزداد سرعةً كل ثانية ..وكأنها تخشى من انقضاض أسدٌ عليها ..رهبة تجتاحها ..انفاس متسارعة ..شهيق وزفيــر بداخلها ..مدٌ وجــزر في افكارها ..فزع من خطيئتها ..انفجرت غادة بداخلها ..انفجــرت تحاكي نفسها ..تلعنها ..تسبها ..صاحت في ذاتها:
- يــا إلـــهي،
- ماذا فعلت؟
- هل سخرت من أمهِ وشقيقته،
- هل حقــاً فعلت ذلك..!
- ربـــاه ..يا ربـــــاه،
- ذلك تصرفٌ وقح مني ..تصرف قذر ،
- هذه الخطيئة لا تُغتفـــر..

كان الذنب يجتاحها في كل جسدها ..شعورها موجـــع ..ندم يتعب القلب ..تفكر وتفكــــر في الأعتذار منه ومما صدر منها لعل ضميرها يرتاح قليلاً ..وبعد تفكير وتردد قررت الذهاب أخيراً ، وبالفعل ذهبت إليه إلى أن وصلت لمنزله وطرقت الباب.. حتى فتح لها وبدى متفاجئً حينما رآهــــا ،ورغم كل مافعلته به الا انه كان سعيداً حينما نظر في عينيها ..سعيد أنه رأى من يعشقها بجنون ..سعيد بعدما ظن انه لن يراها مرة أخرى ..سعيد كطفل وجد لعبته التي ظن انها ملكً له.. فسألها عند الباب بعد ان ألقى عليها التحية:
- ماذا تريدين؟
- لما أتيت..

غادة قالت خجلة:
- في الحقيقة جئت لإعتذر عن وقاحتي،

ظل ساكتاً قليلاً ثم اشار لها بالدخول وقال لها:
- تعالي معي..!

دخلت إلى شقته الفارهة الكبيرة وهي ضائعة في احاسيسها ..خائفة ..متوتــــرة ..مرتبكة حتى وصلوا إلى احدى الغرف وفتح الباب وقال لــها :
- ادخلي الغرفة ...وانظـــــري...؟

وبالفعل دخلت حائرة تــائهة ..وبعد دقائق خرجت تبكي منهارة ..خرجت من غرفة والدته التي تنـــام فيها ..خرجت بعدما رأتها نائمة تحتضن صورة ابنتها ..خرجت تتمنى لو لم تشاهد ذلك ، فقال لها :
- ماذا تريدين أن افعــل وأنـــا اشاهد والدتي تعاني هكذا،
- هل اتركها وحدها وهي تحتضن صورة شقيقتي طوال الوقت؟
- في الحقيقة احترفت القتــال لإجل الانتقــام فقط ..
- لا ادري ممن انتقــم ،
- لكنني اردت ان انتقـــم فحسب..منذ ان كنت صغيراً اردت أن انتقم،
- انتقــم لــها ..ربمـــا ..
- نعم هذه هي الحقيقة ،
- انه شيئاً مؤلــم الذي حدث تلك الليلة،
- كما تــــرين ..مشاهدة ذلك صعبٌ جداً..

غادة سألته بنبرة بكاءها مما شاهدته ..بكاء من ذنبها ..بكاء الأثـــم ..بكاء الخطيئة :
- ولكن لما اعتزلت ،
- قلت أنك تحب ما تفعله وتحب تلك الرياضة العنيفة
- كيف تتخلى عن حلمك وانت في القمة؟

اجابها بسام :
- في الحقيقة لقد فشلت في أخراج والدتي من تلك الحالة،
- فلما استمــر؟
- ثم أنني بدأت اشعر بالملل والاكتئاب من عالم القتال ،
- وبدأت ارى الحياة من منظور مختلف..
- لقد اكتفيت من كل هذا، لذا قررتُ التوقف..

قالت له غادة :
- بسام ..
- بسام ..انظر إلي،

ألتفت إليها لكنه لم يستطع النظــر بعينيها، لا يقوى على النظر فيها ..يخشى أن قلبه لا يحتمل ..ويخشى أنها قد تخاف منه ..فلم ينظر بعينيها ..راحت غادة تشرح له سبب اعتزاله الذي لم يعترف به:
- بسام ..
- انت لم تفشل ..ولا تشعر بالإكتئاب ..ولم تكتفي،
- في الحقيقة انت غاضب مني لإنني جرحتك..!
- لذلك توقفت..
- لكنك لا تريد الأعتراف بهذا..

ظل بسام هادئــاً يقاوم دموعه ..يرفض البكاء ..صامداً أمام الأنهيار ..يعرف بإن ماقالته حقيقة لا يريد أن يعترف بها ..قاطعت غادة مقاومته للدموع ، وأكملت تعزف لحنــاً حزيناً جداً مليئٌ بالندم ..لحناً يهز الوتر:
- بسام ..
- لقد جرحتك بشدة وانت لا تستحق،
- كنت أنــانية.. مغرورة ..لا أراك الا ابن شوارع متخلف لا يجيد عدى القتال ،
- لقد ظلمتك كثيراً ..واهنتك أمام الجميع متعمدة،
- وظللت ساكتاً وتحملت ذلك،
- أنت انقذتني حينما حاولوا اغتصابي،
- أنت الذي ساعدتني هناك ولا أحد غيرك..
- لو لم تأتي تلك الليلة وتنقذني فلا أدري ماذا سيكون عليه حالي اليوم،
- وكيف كافئتك على ذلك؟
- لقد سخرت منك ومن والدتك ..
- سخرت من محبتك لــها ،
- رغم ذلك لم تقل لي شيء، ولم تؤذيني حتى بكلمة،
- لم ارى بحياتي رجلٌ يمتلك مثل هذا القلب..

رغم كل ذلك الندم من محبوبته ..رغم الكلام المبكي ..رغم دموعها ..ونبرتها ..وحزنها ..كان بسام منشغلً في مقاومةِ دموعه ..مصــراً الا يبكي وكأنه يقاتـل الدموع كي تنهزم ..فلم يتحدث ، اكملت وقد اصاب صوتها الجفافُ من البكاء..اكملت بشئياً مفاجئً لم يتوقعه ..شيئاً كان يتمناه سابقاً ..شيئاً غير مجريات الأحداث:
- بســــام..
- هل تريد الزواج مني؟
- لن أجد رجلٌ أفضل منك..
- لكنني قبل ذلك اريدك ان تعود للقتال..
- اريدك ان تقاتل وتنتقم ..تنتقــم لوالدتك وشقيقتــــك،
- اريدكُ ان تنتقم ممن حاول اغتصابي تلك الليلة..
- اريدكُ ان تنتقـــم منهم بوحشية مفرطة..
- ماذا قلت يـا بســــام....!

جلس بسام على الأرض فلم تعد قدماه تحملانه ..جلس وأعلن استسلامه في معركة البكاء ..اعلن فوز الدموع عليه ..انهــار بسام أخـــيراً وبكى كطفــلً في الثامنة من العمــر،


(انسان بسيط..)
قد يكون موضوعي هذا او التالي هو الأخير وسأتوقف ..لا أدري هل أعود بعدها أم لا ..تحية للجميع،