فهد وابن جاره الممل


بينما كان فهد متوقفا على عتبة الدار فجــأة جاء إليه أبن جاره ذو الــ 32 عامــا والذي عرف عنه بأنه لا يخرج من منزلـــه كثيرا بل كان منعزلا بنفسه عن الجميع متقوقعـــا بداخل غرفته لا يغادرها مطلقا ولا يخــالـط أحدا حتى اقربـــاءه مما أثــار دهشة فهد الذي رحب بـــه بدوره بحرارة شديدة ، يسلم عليه ويسأله عن أحواله ويعاتب قلة زياراته .

راحوا يتحدثون فيما بينهم لدقائــق أمتدت لنصف ساعة ..أنقضت بعدها الساعتين والثلاث ، ألا أن فهد بدأ يشعر بالملل منه ومن أحاديثه التافهة مما حذى بــه أن يستأذنـــه ويعتذر منه ، وبالفعل دخـــل المنزل غير مصدق بأنه تخلص منه أخيرا ومن أحاديثه السخيفة التي تنم عن جهـــل صاحبها الذي بات واضحا عليه تأثير عزلـــته وجلوسه وحيدا طوال هذه السنين وعدم مخالطته الآخرين على سذاجة نقاشاته وكلماته وجعلته لا يعرف كيف يتكلم مع الناس ويجذبهم نحوه ويداري الحوار معهم كيفمـــا شاء .

في الـــيوم الثاني ..خــرج فهد ليشتم بعض الهواء العليل على عتبة داره كما الأمـــس لكنه ينظـر يمينا يسارا يحاول الأختباء خلف سيارته خشية الأ يراه أبـــــن جاره ويعتل به ، ألا أنه وبعد لحظات سمع صوتً ينادي عليه ويرحب بـــه حتى جاء إليه ابن جاره الممل وجلس بجانبه وراح يتحدث معه كما الأمـــس وبنفس الرتـــم والأسلوب وسذاجة الحكاوي التي قالــــها له قبل يوم ، مما أشعر فهد بالضجــر منه وبعد 40 دقيقة فقط استأذن أبن جاره ودخل المنزل غاضبا مما حدث ..يتساءل ويسأل نفسه وبضع أسئلة عن ثقالـــــة الشخص اللصيق بمنزلــــهم :
- ويحي ..
- ما هذا الـــرجل الأحمق المـــلل ،
- ماذا أصابه الآن ،
- بعد كل هذه السنين بدأ بالخروج إلى الــــشارع وأبتليت أنــــا به دون غيري ..
- بئسا لـــه..
- حتى لا يعـــرف كيف يحادث الآخرين كأنه طفل في الــسادسة من عمره،
- لكنني أنا المخطأ منذ البداية عندما سمحت لـــه بأن يتمادى في تصرفاته وغثاثته ..

في الــيوم الثالث ..خرج فهد كالــعادة متوقفا على عتبة باب داره ولكنه ليس وحيدا هذه المـــرة بل أتصل بثلاث من رفاقه ليجلسوا معه لكي يمنع أبن جاره من الــقدوم إليه ..وأخبرهم بحكايته ونصحهم في حال قدومه أن يحاولـــون التصدد عنه والتأفف في وجهه لكي يتخلصون منه ، وبعد مضي 20 دقيقة فقط لــم تسر الأمور كما خــطط لــــها فهد..فقد جاء إليه أبن جاره ولم يهتم لمن يقفون معه وراح يرحب بــهم ويحيهم ويسألـهم عن أحوالــهم ، ولكنه لــم يلق منهم ترحيب حارا ، مجرد أهلا وسهلا ثم سكتوا بعدهــا وجعلوه يتكلم لــوحده ويضحك لــوحده ويتحدث مع آذانــهم التي لا تصغي لـــه وكأنه غير مهتمٌ لذلك ..ظل يتحدث ويناقش .. يضرب هذا مازحا .. ويطلق طــرفة على الآخر ويبتسم رغم وجوهـــهم المكفهرة .

وبعد أن طالت المسألـــة أكثر أرادوا التخلص منه بطــرق شتى ..أكانت وقحة أم لــطيفة ، فـــراحوا يتصددون عنه أمـــام عينيه ..ويتأفــــفون بصوت عالً ..وتارة أخرى يسخــرون منه ومن سذاجة أحاديثه وملابسه وشكله ، ألا أن ذاك التصرف أيــــضا لــم يأتي بأيـــة نتيجة معه ولـــم يهتم لــهم ..فلا زال على وتيرة كلامه ونقاشاته ونكاته مسيطــر على محاور الحديث كلـــها، حتى وصل الــصبر بداخل فهد إلى أعلى حدوده ..صبرا يقلب الحلــــيم حيران .. مما جعله يخــرج عن عقــــال حلمه غضبا ويصـــرخ عليه :
- يا رجــل .. يا أحمق.. أنت لـم تخرج من مزلك سنين طويلة ..والآن بعدما خرجت وتخلصت من عقدك النفسية الغبية أبتلينــا بك وبأحاديثك السخيفة .. أعذرنــي على وقاحتي ، ولكنني حاولت أن أكون مؤدبـــا معك ..لكنك لا تفهم ولا تريـــد أن تفهــــم وترحـــل بنفسك ..فما هذه المصيبة التي أصبتنـــا بـها ..

أجابه أبــن جاره وكأنـــه تحــسس شيئا من كلامه قليلا :
- ولمـــا .. ألا يعجبك قولـــي ونقاشي ..هل بالفعل أصبتك بالمــــلل الشديد؟

فهد الذي لا زالت ملامــح الغضب يراهـــا كل من نظـــر صوبه ، قــــال :
- ويحـــك ، ألــم تشعر بأنني كنت أحاول التخلص منك في هذه الأيام الثلاثة ..وأنت تظل تعود وتعــــود كل يـوم.. صبرت عليك وصـــــبرت ولكن بلا فائدة حتى بلغ السيل زبــــى ، نصيحتي لك ..عد إلى منزلك كما كنت في السابق ولا تخــرج منه أو تقابـــل أحد ..فهذا أفضل خيار لك ولــي ولــغيرك ممن سيجلس ويتكلم معك.. مع كل الأحترام والتقدير لــشخصك،

طأطـــأ أبن الجار رأسه بعدما سمع ..شعر بالحرج الشديد والأنكسار وكأنه أُصيب في مقتــــل ، هــــم مُغادرا يلـــملم جراحه التي تناثرت أمـــام عتبة باب دار من ظنه صديـق له ..مشى عنهم خطوات قليلة مُبتعدا لحظات بعدهـــا ثم توقف فجأة وكأن شيئـــا أمسكهُ .. ظل متوقفـــا وفهد ورفاقه يرمقونه بأعينهم خشية أن يرجع إليهم مرة أخرى ..ينظرون إليه وينتظرون رحيله ، وبعد دقيقتين من ذلك كـــله أستدار عليــهم وقـــال بصوتٍ ملؤه التعب وأنفـــاس مرهقــة وأحاسيس محطمة :
- نعــم .. أن ما تقوله هو عين الــصواب ، لم أكن أنوي الخروج من منزلي ..بل كنت أعشق جلوسي وحيدا بعيدا عنكم وعن بقية البشر ، كــرهت تلك اللحظة التي أضطررت فيها إلى مغادرة الــغرفة التي كانت تشكل عالــــم خاص حلوً بــي ، نعـــم ..لقد أصابتني حالــة أكتئاب وضيقة ونوبات هــــرع وفزع وخوف من المـــوت ..يبدو أنـــها بسبب عدم مخالــطتي أحد ..أو حتى بسبب موت والــــدتي التي تركتني أهيـــم بحنانهـــا في الذكرى ، أردت الخـــروج من كل ذلك الـــهم والــغم الذي جثم فوق صدري.. فالبيت أصبح يضيق بي كل يوم وكأنني في قبر..ولــم أعد أستطيع الــعيش مع تلك المخاوف وأنتظــار الموت كل لحظة وكأنهــا شغلي الشاغل .. فكل شيئا أفعله وكل شيئا أنظر إليه وكل شيئا ألمـــسه يوسوس بداخلي الشيطان بأن ذلك آخر شيئا أفعله وبعدهـــا سأموت ، أنه شعور لا يطــاق أن أرى الموت في كل لحظة ..أعيشه طوال الوقت .. خوفـــا ورهبة ونوبـــات ذعــر لا تتمناهــا حتى في ألـــد أعداءك ..المــوت.. المـــــوت ذلك الهمس الوحيد الذي أسمعه في كل لحظة وكل نبرة ونفس.. وأنني سأموت وسأدفن في قبري رغم ضيقته ولا أحد سيبكي علي أو يتذكرنــي بذكرى ، يقولـــون من سيموت يشعــر بذلك قبل أربعين يومــا من أقتراب أجلـــه ، لا أدري صحة تلك المقـــولة ولكنني أعيش رعبا في كل خطواتي ونومي وجلوسي وطعامي ولبــاسي ..لتني لم اقرأ عن تلك الأمور وترسخت بذهني ..لإنني فقط أنتظــر وانتظــر ولا أعرف هل هو وسواس أم أحساس ، أردت الخـــروج من هذا المــرض وهذه الــعقدة وهذا الحــال بأي ثمـــن ..لــم أستطع الذهاب إلى طبيب نفسي ولكنني بحثت في الأنترنت وتبين لــي بأن علاجهــا التجاهـل والأبتعاد عن الــفراغ والــوحدة ، وعندما راسلت طبيب ألــزمني أن أبحث عن صديـــق أقضي وقت معه ..ولكـــن لــم أكن أعرف أحد فلا رفاق لدي ولا عائلة ..فلـــم أجد أمامـــي عداك ..لذلك أردت التــقرب منك وأن أقضي وقتي معـــك لكــي أشفــى ويبتعد عني الوسواس واتخلص من تلك الأفكار ..فحتى لو أنني متُ بالفعل فهناك من سيبكيني ويفتقدنـــي ويتذكرنــي ولــهذا السبب كنت آتي إليك كل يـــوم ظـــنً مني بأنك أصبحت صديقــــي والـــوحيد في هذا الــعالـم الذي سيخـرجني من الأســـى ..ومن الحــزن ..ويساندنــي ويقوي قلـبي الــضعيف لأقاوم هذا الخوف من الموت الذي لا يطـــاق ، هذه كانت أسبابـــي وما جعلني أجلس معك كل يــوم وأتكلم بأي شيء لأخرج من حالات الــقلق والـهلع والـــرهبة التي كنت أشعر بــها ..وبالفعل لا أخفيك ، حينما كنت أتحدث معك كانت الأفكار تختفي وتنمحي كلــها من رأسي ..لذا لا أستطيع السكوت والتوقف عن الكلام والا سترجع هذه الأفكار اللعينة بأمور أخرى أكثر وسوسة وخبثـــا مما تخلصت منـــه ، لــم أكن أعلــم بأنني أضايقك لأن ذهنـــي في الأصل ليس معك بل يقـــاوم أفكار إبليس اللعين الذي لــم يترك لـي لحظة واحدة أهنئ فيهـــا ،

توقف أبن الجار عن الكـــلام لــبرهة كان خلالــها يصارع الأفكار التي تسلطت عليه ،بينما فهد ورفاقه أخذوا يضحكون منه بعدما أستغربوا جدا مما سمعوا منه وبأنه يعانــي مرض نفسيا لا يشفيه الا الأختلاط بالآخرين وما أصعب من ليس لديــه أحد آخــر يؤنسه ..الا أنهـــم لـم يعتبروا تلك مشكلتهم بل حكمــوا عليه بنوع من الجنون أو ربما أكاذيب يتفوه بــها ليتملص من مسؤولية سذاجة عقلــه ونقاشاته المملة ، أكمل بعدها معتذرا :
- أنني متأسف لكـــل ما فعلته بك ، لــم أكن أدري بأنك متضايقٌ مني ..فسامحــــني أرجوك .!

رحل بعدها يكلــم نفسه والأفكار الملعونة التي سيطــرت على عقلــه الباطن تصارعه وأصابته بأختلال الأنية وكل الأمــراض النفسية ، وفهد ومــن معه ينادون عليه يريدون أن يسمعوا بعضا مما ظنوه خرافــات وهوس سيطــر على عقلــه لكثرة جلوسه وحيدا وأرادوا أن يستهزؤ بــه ويضحكون عليه ، ولكنه لم يكن معهـــم ..ولــم يسمعهـــم ..ولــم يشغل باله بهم.. وكأنهــم غير مرئيين بالنسبة إليه ..فهــو لا يــرى أحد أمامه وخلفه ومن حولــــه عدى فكــرة الموت تطــارده في كل مكان ولــم يترك له إبليس ثغرة ألا دخــل له منهــا ..وتلاعب بعقلـــه وسيطــر على أحلامه وآماله ومستقبله الذي جعل نهـــاية الــقبر له في كل دقيقة وثانية ولحظة تمــر عليه طوال الوقت .

بعد يومــين كان للقدر رأياً آخر مغاير عما يتوقعه الناس ..ودائماً للقدر مكاتيب تباغت البشر على غفلةً منهم ..فبينما كان فهد ورفاقـــه عائديــن من البحـــر يقودون سيارتــهم بسرعة جنونية حصل لــهم حادث أصطدام قــوي وقضوا جميعهم أمـــوات ، وكأن الموت تذكــرهم بعد أن نسوه ، بينما أبن جاره الذي عــاش في رهبة المــوت كل تفاصيل حياتـــه ..عاش حتى بلغ ســــن الـــــ98 سليم معافــى لا يشكو من شيئا أو حتى ألـــم بسيط ..بل أصبح باحث كبير في علـــوم النفس وأمراضها .

(انسان بسيط..)