روايتي الأولى: الدانوب الأزرق

قصة كاملة - رواية كامله جميلة للكاتبه ارسال إلى Twitter ارسال إلى facebook
  1. الحكاء
    15-08-2019, 07:42 PM

    روايتي الأولى: الدانوب الأزرق

    روايتي الأولى: الدانوب الأزرق


    السادة مشرفي وأعضاء منتدى عبير
    تحية طيبة وبعد,,
    يطيب لي أن أقدم لكم أسمى التهاني لما تقدمونه من اسهامات رائعة في هذا المنتدى الجميل
    وإني إذ أتقدم إليكم بأولى رواياتي التي أعدها ابنتي البكر أرجو من الله تعالي أن تنال اعجابكم وأن اتلقى منكم كل نقد بناء يعينني على الرقي بمستوى الرواية. ذلك أنني أخطط لنشرها ورقيا في القريب العاجل.

    تحياتي وتمنياتي لكم جميعا بمزيد من الرقي والارتقاء

    إمضاء
    الحكاء

    ملحوظة: الفصل الأول في أول مشاركة
  2. الحكاء
    15-08-2019, 07:45 PM

    رد: روايتي الأولى: الدانوب الأزرق

    روايتي الأولى: الدانوب الأزرق


    إلى هؤلاء الذين شاركوني السباحة في نهرر الحياة
    ذكرى لما بعد الرحيل...
    محمد شلبي





    الشتاء الأول
    2018


    استهلال
    ما بعد الشتاء الأول
    يقولون أن الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب. ولكني في الواقع أراها غير ذلك. إنها المتاعب بعينها. هذه حقيقة لا يدركها إلا شخص يجري وراء الخبر وهو يشعر بأن الخبر يجري أمامه وبنفس السرعة تقريبا. والغريب أن البعض يظن بأن الواجهة الاجتماعية والمكانة المرموقة التي قد يحصل عليها الصحفي كافية لتعوضه عن مشاق المهنة وآلامها وهو ظن مغلوط تماما خاصة إذا كنت مثلي مجرد صحفي مغمور بقسم الحوادث في جريدة لا يكاد يقبل على شراءها إلا أفراد أسرتك وربما القليل جدا من أصدقاءك المقربين لا لشيء إلا للتباهي بأنهم يمتون بصلة لصاحب هذا الاسم ذو الحروف الباهتة الصغيرة الذي يحتل ركن بعيد في صفحة ما من جريدة (الكلمة).
    كانت نيفين واحدة من بين هؤلاء القليلين ذوي النزعة النرجسية الذين أعرفهم. لعل أروع ما في هذه الفتاة الخمرية ذات الوجه المستدير هو خيالها الخصب، ولو أن الخيال وحده يكفي لأهلها ذلك لأن تكون أديبة ذات شأن. كانت شديدة الإيمان بي، تثق في قدراتي وتشجعني على المضي قدما وتقسم لصديقاتها أن خطيبها – هذا الذي يتحدث إليكم الآن – سيصبح ذات يوم قريب صحفيا لامعا تتخطى شهرته حدود البلاد.
    " إن أسلوبك الرائع يذكرني بأدباء العصر الكلاسيكي. "
    ولكني افتقد لخيالك الواسع.”
    حسن. دعني ألقي أمامك بنتوف خيالي المبعثرة وأتركها لك لتنظمها بهذا الأسلوب البديع في قالب روائي. يالها من فكرة. سنكون ثنائيا مبهرا وسنحظى بشهرة واسعة. هل تعتقد أننا سنكون في شهرة عائلة برونتي ؟
    " وربما على نفس الدرجة من بؤسها.
    لست أمزح يا فريد. إنك تحتاج إلى القليل من الوقت والثقة بالنفس لتصبح من رواد الصحافة والأدب في مصر.
    أحيانا كانت تأخذني نوبة من الضحك لا يمكنني تجنبها , وأحيانا أخرى كانت كلماتها هذه وإيمانها العميق بقدراتي المحدودة يمثل مناخا مناسبا لعدوى الغرور. في الواقع كان خيالها الخصب الذي أفتقد لمثله هو ما يتملكني إلى حد الأسر. كان لدى كل منا ما يفتقده الآخر وكأننا وجهي عملة متكاملين ومتلاصقين على المستوى الروحي.
    كنا قد اتفقنا على أن نلتقي في السابعة مساءا على شاطئ البحر في ميامي. هناك بالقرب من منطقة بئر مسعود أول شاهد على ميلاد حبنا في الشتاء الماضي , أي منذ عام تقريبا. ومع لهفتي وتحرقي شوقا لأن أراها , إلا أنني على غير عادتي غرقت في خضم العمل على نحو قذفني خارج حدود الزمان والمكان. هذا لا يعني أنني على قدر من الأهمية والمسئولية في العمل , فكما أخبرتكم سابقا لست إلا صحفي مغمور في صحيفة أشد غمرة , ولكنها تلك الحادثة الغريبة التي كنت أعكف على تحريرها هي من ابتلعتني حتى تلاشيت تماما في ضبابها الكثيف الغامض.
    كانت حادثة غريبة بحق وغامضة على نحو مقلق.
    في البداية ظننت أنها جريمة قتل عادية في أحد الشوارع الراقية بحي سان استيفانو. مجرد جريمة كتلك الجرائم التي اعتدت على تحريرها لا أكثر ولا أقل. على الأرجح سيكون الدافع خلف جريمة القتل هذه هو السرقة. ربما سارت على هذا النحو . شاب في مقتبل العمر يائس ومحبط , افقدته سرعة العصر القدرة على ملاحقة أحلامه الجامحة فقرر أن يختصر الطريق إليها فوق جثة أحد الأثرياء. غالبا ما سيكون هذا الشاب عامل بسيط اعتاد التردد على منزل ضحيته لإصلاح عطل عادة ما يكون في نظام المنزل الكهربائي أو في شبكة صرفه. لا يهم , المهم أن الفرصة كانت مواتية لكي يدرس بهدوء وعناية خارطة المنزل ليعرف كيف ومتى يتسلل إليه دون أن يثير أدنى ريبة أو انتباه. لعله ايضا أنفق الليالي الطويلة في دراسة الموقف بأكمله قبل أن يتغلب على خوفه ويضع خطته النهائية موضع التنفيذ. ثم إنه لم ينسى أن يراقب بدقة شديدة سلوك ضحيته وعاداته فهو أمر مهم لنجاح جريمة قتل ولإثبات مدى ذكاء القاتل.
    كان هذا السيناريو هو أقصى ما استطاع أن يحبكه خيالي أثناء انتقالي في الصباح إلى مكان الحادث بصحبة حنفي زميلي المصور. بدت لي هذه الحبكة منطقية وأقرب إلى الواقع بحكم خبرتي الطويلة بقسم الحوادث , ومع هذا فقد حرصت على أن أبقيه ضمن حدود عقلي فلو أطلع عليه حنفي لأفقده الضحك السيطرة على نفسه. إنها حبكة درامية رخيصة استهلكتها أفلام السينما كما يستهلك البخيل منديلا ورقيا , ثم إن حنفي من ذلك النوع من الرجال الذي دائما ما يحرص مع أقل بادرة على أن يكشف عن أسنانه المتآكلة وصوت ضحكاته الذي لا يختلف في شيء عن اضطراب أمعائه. حتما كان حنفي سيسخر بشدة من هذا السيناريو الهزيل على عكس نيفين التي أجزم بأنها لو سمعته لأضافت إليه الكثير من الأحداث التي ستزيده تعقيدا وغموضا بنفس السهولة التي تضيف بها التوابل إلى الطعام , ثم لصفقت بيديها فرحا وهي تصيح بأنها على وشك الزواج من ديستويفسكي.
    راح حنفي يلتقط الصور بحرفيته المعهودة بينما انهمكت في إجراء حوارات طويلة ومرهقة مع بعض رجال الشرطة المتحفظين والقليل من الجيران الأكثر تحفظا. كان مسرح الجريمة فيلا صغيرة في بقعة هادئة لا تبعد كثيرا عن البحر , وكما توقعت تقريبا كان صاحبها عجوز تتغذى الوحدة والمرض على ما تبقى من سنوات عمره الذي تجاوز الستين. إلى هنا وانتهت علاقة الواقع بالخيال. انهار السيناريو الذي انفقت ساعة كاملة في تخيله كبناية من الورق المقوى في مهب العاصفة. صحيح أن الثري العجوز كان هو الضحية إلا أن الجريمة لم تكن بدافع السرقة. لم يكن هناك أثر للشاب المحطم ذو الأحلام الجامحة , بل لم يكن هناك أثر للقاتل على الإطلاق. لا بصمات ولا خلايا جلدية للقاتل تحت أظافر القتيل جراء المقاومة. كان العجوز الراحل مسجى على فراشه الوثير بدعة وسلام , ولولا تلك الطعنة النافذة في قلبه لظنه الرائي يغط في نوم هادئ وعميق. كان كل شيء في مكانه دون أن يتحرك قيد أنملة تماما كما وضعه العجوز الراحل بنفسه قبل موته. كان النظام يعم الفيلا على نحو ينم عن نظافة وروتين يدعو للملل. لا أدراج محطمة ولا مقاعد مبعثرة رأسا على عقب ولا أثر لأدنى درجات الفوضى. كانت النوافذ مغلقة والستائر المخملية الثقيلة مسدلة بعناية من يعرف جيدا ليل الشتاء بالقرب من البحر. كان الأمر محيرا بحق وما زاده حيرة وغموضا أن باب الفيلا كان مغلقا من الداخل فكيف اقتحم القاتل المكان إن كان باب الفيلا ونوافذها مقفلة على هذا النحو المحكم.
    حملت إلى مكتبي كل ما استطعت أن اجمعه من معلومات وما استطاع حنفي أن يلتقطه من صور. نثرتها أمامي بلا ترتيب فقد استحوذت هذه الجريمة العجيبة على عقلي. رحت أتأمل الصور واحدة تلو الأخرى. بعضها كان للفيلا من الخارج وبعضها كان للبهو الواسع الممتلئ بالتحف الثمينة. أكثر ما لفت نظري هو مجسم صغير لعازف كمان من الذهب الخالص يحتل رفا بارزا من تلك المكتبة الكبيرة في ركن البهو.
    لو أن السرقة كانت دافع القاتل فكيف غفل عن هذه القطعة الذهبية التي قد يتجاوز ثمنها مئات الآلاف ؟!.
    ولو كان ما يقف خلفها هو الغضب والرغبة في الثأر فكيف تسلل القاتل إلى الفيلا ؟
    كيف بلغت به الدقة في التنفيذ حد ألا يترك أي أثر خلفه ؟ أين بحق الله ذهبت بصماته ؟!
    أين عظماء الأدب البوليسي ورجال التحقيقات الجنائية الذين صدعوا رؤوسنا باستحالة الجريمة الكاملة ؟!
    ثم...
    ثم لماذا تحتل هذه الجريمة بالذات كل هذه المساحة الواسعة من عقلي ؟!
    كانت الأسئلة تتوالد في ذهني بأسرع مما تفعل الأرانب البرية , إلا أن هذا السؤال الأخير كان أبرزها على الإطلاق. كمحرر صحفي كان عملي يقتصر على اختيار صورة أو اثنتين أرى أنهما الأفضل من بين تلك اللقطات الكثيرة التي التقطها حنفي , ثم أضمها جنبا إلى جنب مع كل المعلومات التي أتيحت لي بعد أن أكون قد رتبتها وصغتها بأسلوب صحفي مشوق , ولا مانع من أن أذيل الموضوع بسؤال حول هوية الجاني. باختصار كانت مهمتي هي طرح الأسئلة وليس الإجابة عنها. أو على الأقل هذا ما كنت أفعله على مدار ست سنوات هي كل تاريخي المهني بقسم الحوادث. هذه المرة كان الأمر يسير على نحو مغاير يشبه المسار الحتمي نحو غاية مجهولة.
    جولة جديدة في الصراع بين القدر والصدفة. همستوأناأغمضعينيطلباللاسترخاء.
    في لحظة ما اختلط الواقع بالخيال. بخفة وهدوء يسلبان الوعي والإرادة تباعدت جدران الغرفة وراح لونها يتبدل تدريجيا من اللون الرمادي إلى الأخضر الداكن. أختفى الباب الخشبي المتهالك الذي طالما عذب منظره البائس ناظري , كما لم تعد هناك نافذة تطل على الشارع بل درج رخامي مفروش ببساط أحمر ناعم الوبر يبدو وكأنه في رحلة أبدية للأعلى. على يساري كانت مكتبة أنيقة قد شرعت في الظهور من العدم وذلك المجسم الصغير لعازف الكمان قابع على رف بارز منها يبهر بريقه بصري كشمس متوهجة عند الطرف البعيد من الكون. لقد تلاشى الواقع تماما مع تبدل المشهد بهذه الطريقة السنيمائية البطيئة. تلاشت طاولة مكتبي الصغيرة وتلاشى مقعدي الخشبي المرهق.
    " بحق الله ماذا يحدث ؟!. كيف جئت إلى هنا؟!
    كنت أقف في المنتصف من بهو الفيلا أحملق بذهول في الصور والمعلومات التي راحت تطوف بصمت في الفراغ كأجرام صغيرة. حتى جسدي كانت تعتريه خفة عجيبة رغم ميله للسمنة جعلتني أشعر وكأنني بالون يطفو على سطح الماء.
    فركت عيني بقوة ثمة شيء خاطئ. لا يمكن أن يكون هذا الذي يحدث لي حقيقي !
    اقتربت من المجسم الذهبي لعزف الكمان وحملته في راحتي. كان ناعم وبارد كقطعة ثلج. حقيقيا إلى حد لا يمكن أن يرقى إليه الخيال. انتبهت إلى أن خطواتي لم تكن تحدث أي وقع. دققت الأرض بقوة عدة مرات لأتأكد فشعرت بها لينة وطرية مثل سجادة فارسية غزيرة الوبر. تسلل الخوف إلى قلبي مع هذا الصمت الثقيل الذي كان يضغط بقوة على أذني. مع هذا السكون القبري لا يملك الإنسان إلا أن يرهف السمع. إن أقصر موجة صوتية وأقلها انخفاضا ستكون بمثابة نعمة من السماء لا تقدر بثمن. ستكون دليل كافي على أنك ما زلت حيا , وستشكل نافذة ضيقة تطل منها على المزيد من الغموض والمجهول. قد يقودك هذا الصوت إلى حتفك ولكن يبقي أي شيء أفضل من لا شيء على الإطلاق.
    في أعماق هذا الصمت الأبدي شعرت باهتزاز رقيق في شعيرات أذني مثل توتر طفيف على سطح بحيرة ساكنة. ثمة صوت ما. همس ناعم كوسوسة الأشباح. ربما لم أكن أصغي بالشكل الكافي , على أن أرهف السمع أكثر. شيئا فشيء بدأ الصوت يتضح. لم يكن وسوسة كما ظننت وإنما شيء آخر. نغمات تنبعث من غرفة ما بالطابق الثاني. قطعة موسيقية ساحرة بالرغم من أنها لم تكن تخلو من بعض الصخب. لعلها من أعمال باخ أو موتسارت , لست على يقين. ولكن هذا التناغم المذهل الذي يأسر الروح لا يدع مجالا للشك في أنها اخترقت حجبا كثيفة من السنين المتراكمة قبل أن تصلني بهذا الصفاء.
    ذكرتني هذه الموسيقى بنيفين. كم افتقد هذه الخبيرة البارعة في الموسيقى الكلاسيكية. لو كانت معي الآن لاندفعت تخبرني باسم هذه القطعة الساحرة ومن مؤلفها ومتى قام بتأليفها وربما استرسلت حول حياة ذلك الموسيقار ولألقت على مسامعي ترجمة كاملة عنه قبل أن أتمكن من إيقافها. حتى مع هذه الفجوة المرعبة في الواقع التي ابتلعتني كنت افتقد هذه الحسناء الثرثارة.
    أعدت المجسم الذهبي إلى مكانه واتجهت نحو الدرج الرخامي أقتفى مصدر الموسيقى. لماذا ؟. لا أعلم. لم يكن للفضول دور في قراري هذا وإنما هي واحدة من تلك اللحظات المتكررة في حياتي التي افقد فيها السيطرة على كل شيء وأترك الحرية للغريزة تقودوني إلى حيث يجب أن أكون. في موقف كهذا يصبح الخوف هو المسيطر وتصبح الكلمة الوحيدة للغريزة في مواجهة هذا الخوف.
    رفعت بصري اتطلع للدرج. كان كنهر صغير ينبع من فراغ أسود ليصب عند قدمي. ارتفع صوت الموسيقى وشكلت نغماتها سلم أخر خفي قادني مرغما لأعلى. عند الدرجة الثانية عشر تبدد الظلام كاشفا عن لوحة معلقة فوق الجدار. كانت لوحة كبيرة الحجم وحية الألوان لدرجة لا يمكن تصديق أنها مجرد لوحة زيتية. كانت اللوحة للعجوز الراحل قبل سنوات طويلة ربما قبل ثلاثين عاما حين كان شاب في الرابعة والثلاثين. كان أبرز ما في ملامحه هي تلك العينان الصارمتان فوق أنف حاد وتحت حاجبين كثين. وجه صارم يصلح لأن تحمله شخصية مثالية في أحدى روايات ديكنز. إلى الجوار من العجوز الشاب كانت امرأة في مثل عمره تقريبا مستندة برأسها على كتفه وعلى شفتيها الرفيعتين ابتسامة مرحة جعلتها أشبه بأميرة إسبانية. في الخلف منهما كان مركب شراعي ينساب عبر النهر بسكون ودعة حاجبا بشراعه الأبيض جزء من الشمس المائلة نحو الغروب. كان مشهدا متقنا لزوجين عاشقين ومع هذا فقد كان ثمة شيء خاطئ يجري في كواليس اللوحة. هناك حقيقة تقول بأن لكل عمل فني رسالة خفية تقع في القلب دون أن تمر بالحواس وهي جزء من نسيجه فيما يمكن أن نطلق عليه روح العمل الفني. كانت الرسالة التي تحملها هذه اللوحة مفادها أن نهاية مأساوية في انتظار هاذان العاشقان.
    مرة أخرى ارتفع صوت الموسيقى وكأنه يستعجل صعودي فانحرفت يمينا مع الدرج. افضى بي هذا الصعود المرهق إلى ممر طويل. على اليسار كان سياج منخفض من الرخام يطل على البهو وعلى اليسار كان ثلاث غرف متراصة. اتجهت مباشرة إلى الغرفة الثانية حيث كانت النغمات تصدح مخترقة بعناد بابها المغلق. شعرت بخطواتي تتثاقل وكأن حجرا ثقيلا معلق بقدمي. من مكان ما انبعثت برودة شديدة راحت تلفح جسدي. لم تكن برودة عادية. كانت من ذلك النوع الذي يلتصق بجسدك ويرفض أن يغادره. برودة تذكرك بالموت.
    تضاعف خوفي وراح يضغط بعنف على جدار قلبي المضطرب. مددت يدا مرتعشة إلى رتاج الباب وأدرته ببطء شديد. الآن ومع خطوتي الأولى داخل الغرفة راحت الموسيقى تنساب بحرية داخل أذني. اصطدمت عيني بظلمة حالكة كانت تعم المكان وما أن اعتدت تدريجيا عليها حتى بدأت الأشياء تأخذ أشكالا محددة. كان العجوز ممددا فوق الفراش الوثير تماما كما رأيته في الصباح حين كنت أجري تحقيقا حول مقتله. لم يمنعني خوفي من التقدم فقد كانت غريزتي تدفعني للأمام بأقوى مما يدفعني الخوف للخلف.
    حين أصبحت على بعد خطوة من الفراش دققت النظر للحظات. اتسعت عيني رعبا وندت مني صرخة قوية تلاشت في الفراغ. لا يمكن أن يكون ما أراه حقيقي. مستحيل أن يكون حقيقي.
    لم يكن العجوز هو ذلك الممدد أمامي , بل كانت نيفين.
    فتحت عيني مذعورا فعاد نهر الزمن إلى تدفقه الطبيعي. تلفت حولي ذاهلا. لقد عادت غرفة المكتب كما كانت قبل أن أغادرها بجدرانها الرمادية الكالحة. تلاشي المشهد الذي كنت اعيشه منذ لحظات ولم يبقى منه سوي تلك البرودة المتغلغلة في نسيج الجسد. كيف يمكن ان يتصبب العرق بهذه الغزارة في شهر كديسمبر ومدينة كالإسكندرية !. كان الصداع يدق في رأسي بقوة متزامنا مع دقات الساعة التي كانت تشير إلى السادسة مساءا. ساعة واحدة هي ما كانت تفصلني عن لقائي بنيفين.
    كيف حدثت هذه النقلة في الزمان والمكان؟!
    وماذا يعني تواجد نيفين في فراش ذلك العجوز ؟!.
    شعرت بخوف شديد تواطأ مع البرودة في إصابتي برجفة عصفور تحت المطر. لا يمكن أن أسمح لمكروه أن يصيبها حتى لو دفعت حياتي ثمنا لذلك. قررت أن ألتزم معها الصمت حول ما حدث فليس من الحكمة أن تخبر امرأة بأمر كهذا وإلا ستتهمك بالجنون أو ستصيبها الهواجس به.
    تنفست بعمق وانتظام لأعيد السيطرة على نفسي. لم يكن بئر مسعود , حيث سأقابل نيفين , يبعد كثيرا عن مقر الجريدة , ربما سيستغرق الوصول إليه ساعة على الأقدام , كما أنني كنت بحاجة ملحة لبعض الهواء الطازج لأتغلب على هذا الصداع الرهيب ولأستعيد رباطة جأشي ولبعض الوقت كي أتفكر في تلك التجربة العجيبة التي مررت بها , لذا فقد قررت أن أذهب للقائها سيرا وأن اترك سيارتي كما هي بجوار مبنى الجريدة على أن أعود لأخذها لاحقا.
    بدا واضحا من الأبواب المغلقة والصمت الذي يلف المكان أن أغلب العاملين بالجريدة قد انصرفوا لذا لم استغرب أن أحدا لم يصادفني في طريقي إلى الخارج. عند نهاية الدهليز الطويل الذي كان سيفضي بي مباشرة إلى باب الجريدة الرئيسي مررت بالغرفة المظلمة التي كان حنفي يستخدمها في تحميض ما يلتقطه من صور. كان ضوء أحمر باهت يتسلل عبر بابها الموارب ما أصابني بالدهشة. لم تكن عادة حنفي أن يبقى إلى هذا الوقت المتأخر في العمل.
    اقتربت من الغرفة والقيت نظرة داخلها. كان حنفي هناك يجلس في وسط الأجهزة والمعدات التي يزدحم بها المكان مديرا ظهره للباب ومن فوق رأسه يتصاعد دخان سيجارته مشكلا لوحة سريالية غامضة وكئيبة.
    " حنفي ؟! "
    ساعده مقعده الدوار على أن يلتفت نحوي مجفلا.
    " مرحبا أستاذ فريد ".
    " ماذا تفعل هنا في هذا الوقت ؟! "
    هز كتفيه بملل " لقد طلب مني رئيس التحرير أن انتهي من بعض الصور الهامة التي سوف تنشر في الجريدة غدا. لذا كان على أن أبقى. "
    " أسمع يا حنفي. هل جربت من قبل الـ .. كيف أصف الأمر " سكت للحظات بحثا عن الكلمات المناسبة " الانتقال اللحظي. أعني أن تجد نفسك فجأة وقد انتقلت من هذه الغرفة إلى مكان آخر في زمان آخر. "
    " تقصد مثل أن يبتلعك ثقب أسود غير مرئي ؟! " قال وهو يرميني بنظرة ريبة.
    " حسنا. شيء كهذا. "
    انطلقت منه ضحكة مجلجلة لم تجد في أسنانه البنية المتآكلة عائق قوي.
    لوحت بيدي في الهواء ندما " لا عليك. "
    شعرت بنظراته الساخرة والمتشككة تتشبث بكتفي من الخلف.
    لأيام طويلة قادمة سيبقي حنفي يشكك في قدراتي العقلية. من المؤكد أن هذه كانت اللحظة الأولى التي يرميني فيها بالجنون.
  3. " NOUR 3INY "
    16-08-2019, 01:42 AM

    رد: روايتي الأولى: الدانوب الأزرق

    روايتي الأولى: الدانوب الأزرق


    حياك الله ومتحمسين لبقية الفصول
  4. Loli.
    16-08-2019, 03:03 AM

    رد: روايتي الأولى: الدانوب الأزرق

    روايتي الأولى: الدانوب الأزرق


    اتخيلها حلوووه من الوصف
    لان شكلها تحكي عن الجريمة والغموض
    جاري قرائتها إن شاء الله


    استمرررري
  5. الحكاء
    16-08-2019, 11:56 PM

    رد: روايتي الأولى: الدانوب الأزرق

    روايتي الأولى: الدانوب الأزرق


    قبل عام .. شتاء 2018


    ( 1 )
    وفاء
    أنت بالذات يجب ألا تستسلمي
    لماذا يصر بعض الناس على الاحتفال بأعياد ميلادهم ؟!
    أليس من العجيب أن يعم الفرح قلب يدرك أنه قد اقترب خطوة من الموت ؟!
    لو أن في الأمر شيئا يدعو إلى السرور فلن يكون – من وجهة نظري – إلا ذلك الشعور المطمئن بأنني قد قطعت عاما كاملا في طريقي إلى الراحة الأبدية. إلى العالم الآخر حيث لا أحزان تثقل القلب وتصيبه بالتضخم إنما أتوق , وانتظر بصبر من عدم الحلية تلك اللحظة التي أخلع فيها نعل الدنيا على أعتاب القبر. لا شك لدي أنها ستكون لحظة انتصار رائعة سيشرق فيها وجهي الشاحب بابتسامة الرضا وستلتمع عيني بالشماتة والتشفي في كل من خانني وظلمني وسلبني السعادة وأنا أنظر إليهم جميعا من مقعدي في السماء. كم اشتاق إلى هذه اللحظة وكم اشعر بها قريبة إلى حد أنني أكاد المسها بأطراف أناملي. إنها هناك أراها تتألق في عيونهم فهم أيضا يشعرون بدنو أجلي وينتظرون هذا اليوم بصبر نافد. ابتسامة المواساة التي لا تغادر شفتي أخي الأكبر ( عاصم ) مثل عجوز تواري قبحها خلف ألوان البهرجة الزائفة , نظرة الشفقة التي تسكن عيني شقيقي الأصغر ( جلال ) كنزيل فندق يشعر بالملل ويتوق لأن يرحل عنه , وحتى دموع شقيقتي ( منار ) التي تكبرني بعامين فقط – لسبب ما وبالرغم من صدقها – تبدو لي جامدة وباردة كأمطار القارة المتجمدة , كلها مظاهر حزن زائفة لا استغربها إنما استغرب أن يغزو شعور ما , أيا كان هذا الشعور , مثل هذه القلوب المتحجرة حتى لو كان شعورا بالسعادة.
    لقد سئمت الحياة , هذه حقيقة لا مفر من الاعتراف بها. سئمت هذا السرطان الذي ينهش رحمي بلا رحمة وهذه الآلام التي تضعني على حافة الجنون. وفقدت الرغبة في المقاومة فأفلت من يدي كل خيط قد يربطني بهذا العالم الكئيب الموحش. أمر واحد فقط ربما هو ما يدفعني لأن أحافظ على هذا الرمق الأخير لأطول فترة ممكنة , أن أحرم أخوتي من سعادتهم بموتي وتمتعهم بثروتي. هذه النظرة المليئة بالتحدي والصمود – والتي لا تظهر إلا مع وجود أحدهم بجواري – تفقدهم عقلهم وتضغط على أنفاسهم بقوة فتخرج متحشرجة وملتهبة بالغيظ والحنق.
    طبقا لقواعد علم النفس يمكن اعتبار هذه النشوة , التي تنتابني كلما استطعت أن ألهب قلوب أخوتي سخطا , نوع من السادية ولكني لا أعتبرها كذلك , بل ولا أراها انتقام , إنما هي حق أصيل. من حقي أن أرى العذاب في عيون من عذبوني. ليس لأحد أن يلومني إن أنا انتزعت من قلبي هذا الخنجر الذي يحمل بصماتهم لأطعن به أرواحهم المدنسة. إني لأعترف دون أي شعور بالخجل أو الذنب أن هذه الحسرة التي توغر صدورهم وتكاد تذهب بأرواحهم , كلما لاحت بارقة أمل في شفائي أو تظاهرت أمامهم بالتماسك والصلابة , هي مصدر سعادتي الوحيد.
    ما أبأسهم , أنا على يقين من أنهم يعانون في انتظار موتي أضعاف ما أعاني. هذه الحسرة وبركان الألم الذي تفجره في الصدر لهفة الانتظار لهو أشد سخونة وأثقل وطأة على الروح من آلام الاحتضار. حين باعوني إلى ذلك العجوز الثري اضطررت لأن أبقى في أسره خمس سنوات أحملق في عقرب الثواني وهو يتحرك ببطء مثل سلحفاة ثقيلة الوزن , حتى مات قبل عام تقريبا واستعدت حريتي أخيرا. حينها أدركت قيمة الحرية وادركت معها معنى الانتظار وقدرته على تحطيم النفس. واليوم تأكد لي هذا الادراك حين زارني شقيقاي ( عاصم ) و ( جلال ).
    كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة بدقائق قليلة وكنت قد انتهيت لتوي من إفطاري الهزيل. ولا أدري لماذا يجب أن يكون هزيلا ؟!. لطالما دأبت أمي – رحمها الله – على تذكيرنا بأن الطعام الجيد هو الدواء الأمثل لكل مرض ولكن الطبيب المتابع لحالتي كان له رأي آخر. كسرتين من الخبز مع مسحة جبن ومربى على كل منهما ثم كوب من الحليب ولا شيء أكثر من هذا على الإفطار. . والحق أنني لم أعر اهتماما لهذه التعليمات المستبدة , أعني أنها لم تثر غضبي كما لم أجد في نفسي الرغبة في التمرد عليها , لقد استسلمت لها كعادتي مع كل أمر لا يروق لي , فأنا من ذلك النوع الذي يفضل الانحناء في وجه العواصف. علمتني الحياة كيف أميل مع اتجاه الريح , ما كفل لي حياة هادئة في الأثنين وعشرين عاما الأولى من عمري إلى أن تم بيعي كجارية في سوق النخاسة. بل إني لأجرؤ فأقول بأنها كانت حياة سعيدة على نحو ما , أشبه بزهرة أتاح لها الانطواء أن تتنسم بدعة وكسل عبير الصباح. وعليه فلم يكن من الصعب أن أمتثل لأوامر الطبيب الصارمة فيما يخص حالتي المتأخرة , أضف إلى ذلك ما كنت أرفل فيه من يأس مريح – إن صح أن يوصف يأس بهذا الوصف – فاليأس حين يبلغ بالإنسان حد اللامبالاة يستحيل إلى نوع من السلام الداخلي تتساوى فيه المصائر وتتشابه النهايات.
    في هذا الصباح وقبيل زيارة شقيقاي لي دخلت ( سعاد ) الممرضة المختصة برعايتي وعلى وجهها الشيء الوحيد الصادق في عالم الزيف الذي يحيط بي. كانت ابتسامتها تحمل صفاء من نوع غريب, وود محض لا تعكر صفوه منفعة خاصة وكأن ابتسامتها هذه أمنية مجانية بالخير والسعادة متاحة للجميع. كانت طيبتها الفطرية أصعب من أن أفهمها في بادئ الأمر. حين رأيتها للمرة الأولى, وكان ذلك قبل شهر عندما رأي الطبيب ضرورة احتجازي بالمستشفى, ساورني الشك في نواياها, لابد أن مصلحة ما تقف خلف رقتها معي فلكل شيء ثمن حتى حسن المعاشرة.
    كانت ( سعاد ) شديدة الاهتمام بي. تحرص على تنفيذ تعليمات الدكتور ( عزمي ) الطبيب المتابع لحالتي بحذافيرها وتراقب عن كثب تطور حالتي ومدى التزامي بمقادير الأدوية ومواعيدها , وكانت تشد على يدي بحرارة أثناء نوبات الألم التي كانت تجتاح جسدي النحيل وتهده هدا. في البداية قدرت أن هذه الرعاية المبالغ فيها تعود إلى اخلاصها في عملها ووعيها بطبيعة هذا العمل وخطورته. ولكن هذا الوعي عادة ما يتلاشى تدريجيا مثل نور الشمس ساعة الغروب من وجدان كل من يمتهن التمريض. يحدث هذا عندما يتحول بذل المشاعر الإنسانية من وسيلة للتخفيف من آلام الآخرين إلى مجرد عادة يومية تفرضها واجبات المهنة , فتلك المآسي التي يعيشها الأطباء والممرضين يوميا بين صرخات الألم وسكرات الموت , وكأنها دائرة مغلقة يدورون في محيطاها , تصيب مشاعرهم بدوار يفقدها الوعي. على أن تبلد المشاعر هذا لا يعني تبخرها تماما من قلوبهم , فبالرغم من كل هذه الفواجع يبقى الطبيب أو الممرض بشرا نابض القلب , ثمة فاجعة بعينها تهزه من حين إلى حين لتنفض الغبار عن شعوره بالألم والحزن وتعيد إليه توهجه. تماما كما يقول المثل أهم ما يتعلمه الإنسان حين يعيش بين المقابر ألا يبكي على كل أحد يموت . وإن كان هذا المثل ينطبق على كل من يمت بصلة إلى عالم الطب بدءا من رجل الأمن عند باب المستشفى وحتى مديرها فبديهي أن ينطبق أيضا على ( سعاد ) , ليس هناك ما يميزها عن الباقين لتحتفظ بهذا الوعي وتلك المشاعر الإنسانية تجاه المرضى , لابد أنها باتت مثلهم جميعا مجرد موظفة تؤدي مهام عملها بتجرد وحياد وجداني , خاصة مع تلك المهارة التي تنبأ عن باع طويل في هذا العمل. لذا فقد كانت هذه المعاملة الرقيقة والرعاية الدافئة التي تمنحني إياها تصيبني بالضيق وتثير في نفسي تذمر صامت.
    لماذا يجب أن تكون استثناء ؟!. ما الذي يجعلها مختلفة عن بني مهنتها وعن كل من التقيت بهم في ثمانية وعشرين عاما هي مسيرة عمري القصير ؟! .. ببساطة لا شيء . إنها مثلهم جميعا , مثل جميع أفراد أسرتي , مثل ذلك العجوز المقبور الذي كنت يوما جاريته , مثلهم جميعا مجرد تاجرة خبيثة تحاول أن تروج بضاعتها وما أنا بالنسبة لها إلا زبونة محتملة. إلا أنها أشدهم خبثا وخداعا , فهذا الاسلوب الماكر الذي تعمد إليه لا يمكن أن يخطر إلا ببال شيطان مريد. لقد كنت أراها كالمتسولة إلا أن ثمة فارق كبير بينها وبين تلك المتسولة التي أراها دائما عبر نافذة الغرفة تستجدي الناس على قارعة الطريق , فبينما تستجدي تلك المتسولة على قارعة الطريق الناس بلسانها تستجديني ( سعاد ) بقلبها , بينما تقتات المتسولة على مشاعر الناس تقتات ( سعاد ) على مشاعرها الخاصة. هذه النقطة بالذات هي ما كانت تثير غضبي وجنوني. كان أشرف لها وأحفظ لكرامتها لو أنها تحدثت بصراحة ودون مواربة أيتها المحتضرة التعيسة , لا تظني أن هذا العطف الذي أبذله لك بلا مقابل , إنه مجرد بداية لصفقة رابحة أود أن أبرمها معك. فكل منا لديه ما يفتقده الآخر. أنت لديك المال وأنا لدي العطف والرعاية.ربما كنت سأحترمها لو أنها سددت نظراتها بثبات نحوي دون أن تنزع عن وجهها هذه الابتسامة التي لا نهاية لها قائلة ستجدين عندي أجود أنواع البضاعة. مشاعر سارية الصلاحية. أنظري , هنا ستجدين حنان مغلف بلمسات ناعمة لليد , وهنا ستجدين رقة مغلفة بالابتسامات, أما هنا فشفقة ممزوجة بأعذب الكلمات. ولكل صنف ثمنه الخاص وكلما ارتفعت قيمة فاتورتك كلما كان التخفيض الممنوح لك أكثر إرضاء. كان سيروقني كثيرا لو أنها ادارت الصفقة على هذا النحو , وربما ما كنت لأحتقرها كل هذا الاحتقار , أما وقد فضلت أن تخادعني فلم يكن أمامي سوى أن ادفعها دفعا لأن تقذف في وجهي بما تدبره وتكنه في صدرها. لم تدع لي خيار سوى أن أصل بالبخار إلى درجة الحرارة التي لا يمكن معها أن يبقى حبيس الإبريق. هكذا دخلت معها في مناورة استفزازية , فكنت أقابل بشاشتها بوجه عابس وكلما ازدادت عطفا ورقة ازدت خشونة وجفاء. والمدهش أنها كانت مثالا مجسدا للصبر وقوة الاحتمال وهو ما كان يضاعف من حنقي.
    أذكر أنه في اليوم السابع من تلك المناورة المرهقة أردت أن انهي الأمر على نحو مأساوي يدفعها للاستسلام. هذه النهاية التي وضعتها كانت بلا شك ستدفعها لطلب المال مباشرة ودون مواربة نظير ما تقدمه لي من رعاية زائدة أو أن ترحل إلى الأبد لاعنة اليوم الذي وقعت فيه عيناها على شخص مثلي. كانت الشمس تميل نحو الغروب , وكنت جالسة عند طرف النافذة الواسعة للغرفة كعادتي أراقب أشعتها الباهتة وهي تتكسر بحزن فوق مياه النيل , حين دخلت ( سعاد ) حاملة الجرعة المسائية من الدواء. ذكرني مشهد الشمس المحتضرة بما أعانيه فشعرت بالكآبة تثقل قلبي وتضغط عليه فتزيد من تضخم عضلته. ثمة وخزة مؤلمة كانت تعتصره وكأن أحدهم قد غرز سكينا حادا هناك وراح يديره ببطء. كانت هذه هي اللحظة المناسبة لأقذف في وجهها هذا الزخم من الحزن والغضب الذي يمزق روحي. أطحت بالدواء من يدها ورفعت يدي لأصفعها. أجل لقد حدث هذا. وكيف لا يحدث وقد عبثت الحياة بي واختبرت صلابتي كما يختبر طفل غاضب صلابة دميته في مواجهة الجدار!. لست أحاول أن أبرر قسوتي وتحجر قلبي ولكني أقسم لكم أنني لم أبلغ بعد تلك الدرجة من القسوة التي تجعلني أصفع امرأة ضعيفة في عمر والدتي. لقد توقفت يدي في منتصف الطريق إلى وجهها , ومع هذا فلم تكن نيتي بتهديدها فقط هي ما جعل يدي تتسمر في الهواء على هذا النحو المفاجئ. كانت هناك تلك النظرة المدهشة في عينيها الداكنتين , إنها نظرة بعيدة تماما عن الذهول , وهو الشعور الطبيعي الذي كان سينتابني لو كنت مكانها , نظرة لا يمكن وصفها , ولو ترجمت هذه النظرة إلى كلمات لكانت كالآتي أنا أعلم كل ألاعيبك يا صغيرتي , ولكن لا مانع عندي في أن تصفعيني إن كان ذلك سيخفف بعض آلامك .
    دهمتني هذه النظرة المعبرة كسيارة مسرعة على الطريق. هذا الخيط الرفيع المستقيم على جانبي عينيها جذبني بقوة ليلقيني في دوامة هاتين العينين الواسعتين , ومثل ثقب أسود في سديم الكون نقلتني من عالم إلى عالم آخر شديد الاختلاف والتنافر. أي ملاك هذا الذي حبتني السماء به و أنا اقف على أعتاب القبر وكأنها تريد أن تعقد صلحا أخيرا معي !!. هذا الود الصادق لا مكان فيه للتملق أو المنافع الشخصية , إنه كماء المطر تغدقه السماء علينا دون أن تنتظر منا نحن الجاحدين ولو كلمة شكر بسيطة. كم كان شعوري بالخزي والعار , إذ ظننت بها هذا الظن السيء ,أشد وطأة علي من آلام قلبي السقيم ورحمي الذي يلتهمه السرطان. لا شك أن آلام الجسد كثيرا ما تكون انعكاسا لآلام الروح. لقد اشتد الوخز في قلبي وشعرت بدوار عنيف يلفني مع شعوري بالذنب تجاهها. “ لابد أن أعوضها عن تلك المعاملة القاسية التي تلقتها مني على مدار أسبوع كامل. هكذا حسمت أمري وقررت أن أعوضها بالطريقة الوحيدة التي أعرفها. انسحبت ( سعاد ) بخطوات رزينة إلى خارج الغرفة ولم تمض إلا دقائق معدودة حتى عادت حاملة نفس الابتسامة الآسرة وجرعة أخرى من الدواء. في أثناء ذلك كنت قد سحبت دفتر الشيكات الخاص بي من ذلك الدرج المجاور لفراشي , والذي أحرص على أن أبقيه دائما مغلقا وبعيدا عن متناول أخوتي , وحررت شيكا يحق لها بمقتضاه أن تحصل على عشرة آلاف جنيه ظننت أنها كافية لتنسيها جفائي وتزمتي معها. تناولت جرعة الدواء بصمت المنكسر ثم دفعت إليها الشيك وعلى وجهي ابتسامة بلهاء بلا معني. كانت الفرحة تنضح من محياها بشكل ملحوظ , ومع هذا فإن يدها لم تمتد إلى الشيك.
    ما هذا يا ابنتي ؟ سألتني وهي تضع كوب الماء النصف مملوء الذي تناولت به حبات الدواء على الكومود المجاور للفراش.
    " إنه شيك بعشرة آلاف جنيه. خذيه , إنه لك.
    ومن أخبرك أنني بحاجة إلى المال ؟
    " لا شك أنك بحاجة إليه. كلنا يحتاج إلى المال.
    " صحيح , ولكني احتاج إلى مال من كسب يدي وليس لإحسان من أحد قالت والحزن يلوح في وجهها.
    " آسفة. لم أقصد الإساءة إليك. حقا لم أقصد .
    أعلم يا حبيبتي. إنك كالملاك الطاهر الذي لا يمكن أن يعني الإيذاء لأحد.
    كان صوتها الخفيض يحمل من الرقة ما يذيب أعتى القلوب وأشدها قسوة. حتى تنهيدتها الحارة , حين انحنت لتقبل وجنتي بعطف , شعرت بها تلفح وجهي كنسمة صيف.
    " أقسم لك , ليس الإحسان ما يجعلني أدفع إليك هذا المال يا ( سعاد ). إنك تستحقينه. هذه الرعاية التي لم تكن لتحيطني بها سوى أمي رحمها الله , وهذه المحبة والحنو لا يجب أن تبذل بالمجان. أليس لكل شيء ثمن؟
    أخبريني إذا , ما هو ثمن الإنسانية. مرة أخرى صدمتني عبارتها البسيطة والعميقة فخارت قواي وانهار جسدي فوق الفراش مالك يا حبيبتي ؟! . هل هاجمتك نوبة الألم مجددا؟
    رفعت رأسي لأتطلع إليها وقد ترقرقت عيناي بالدموع.
    يا لهذه المشاعر البسيطة الفطرية !. إنها تدغدغ القلب , لا , بل تسحقه سحقا ناعما وتحوله إلى ذرات من كل شيء. ذرات من السعادة والحزن , من الراحة والألم , من الرضا والغضب , ذرات من كل شيء تسبح في فضاء الروح كما تسبح ذرات الغبار في حزمة الضوء. لماذا كل هذه التعقيدات في الحياة ؟!. لماذا هذا الجشع والطمع من جانب أخوتي ؟!. ولماذا هذه القسوة من جانبي ؟!. ألن تكون الحياة أكثر سلاما وراحة لو أسلمنا قيادنا للبساطة والفطرة ؟!.
    وضعت رأسي بين راحتي يدي لأمنع جمجمتي من الانفجار. كانت الرغبة في البكاء تجتاحني فلم أقاوم دموعي التي انسابت سخينة وراحت تقطر فوق جلبابي الأبيض. إنها واحدة من المرات النادرة التي اسمح لأحد فيها أن يرى دموعي. حتى في نوبات الألم القاتل التي كانت تعتصرني وترتشف مني الروح كما يسحق أحدهم ثمرة ليمون بيده رغبة في عصيرها لم أكن أسمح لنفسي بالبكاء وهناك من يراقبني , خاصة إذا كان من يراقبني هو واحد من أفراد أسرتي .
    " هل استدعي الدكتور ( عزمي ) ؟
    " لا. لا داعي لهذا يا ( سعاد ).
    فيم بكاءك إذا يا صغيرتي ؟!
    " اغفري لي يا ( سعاد ). أرجوك أن تفعلي. قلت مترجية وأنا أمسك بيدها وأشد عليها
    " ليس هناك ما أغفره لك.
    " لقد أسأت الظن بك. على الأقل في اللحظة الماضية حين ظننت أن ذلك الفرح الذي لاح عليك كان سببه المال.
    " أكان هذا ظنك بي ؟. يا لك من فتاة سيئة حمل صوتها نبرة لا تخلو من المزاح وكأنها تحاول أن تسري عني إنما كانت سعادتي بتلك الابتسامة التي ارتسمت على شفتيك. صحيح أنها ابتسامة بلهاء , ولكنها أفضل من لا شيء.
    " إني أعجب من هذه الرحمة التي تغدقينني بها وكأن قلبك معين لا ينضب. أليس في حياتك الخاصة من المشاكل ما يشغلك عني ؟
    " ليست الحياة إلا متوالية من المشاكل والأحزان يا صغيرتي. ولكني لن أسمح لنفسي أبدا أن أضل الطريق في عتمتها , خاصة إن كنت في طريقي إليك أنت.
    كان وجهها الخمري مشرقا بضوء ناصع يأتيني متكسرا عبر دموعي الثقيلة فكفكفتها لأسمح له أن ينساب صافيا رقراقا إلى قلبي المتعطش.
    " لماذا أنا بالذات ؟. أرجوك أن تصارحيني القول. قلت وأنا أجذبها بلطف لأجلسها إلى جواري على الفراش.
    " ولماذا ليس أنت ؟ ردت إلي السؤال وهي تمسح بيدها على شعري الداكن الخفيف. لا أريد أن أثقل عليك يا حبيبتي. كفاك ما أنت فيه. فالصراحة دائما ما تكون مؤلمة.
    نظرت نحوها نظرة رجاء دون أن أنبث بكلمة.
    مرت دقيقة طويلة من الصمت قطعها صوت كروان تردد صداه من بعيد كأوجاع الماضي. كانت عيني لا تزال معلقة بوجهها الساكن تعلق طفل باك بأمه. ثمة رعشة طفيفة في شفتيها المزمومتين لا تخطئها العين. لا بد أنها كانت في حيرة تحاول أن تنتقي الكلمات المناسبة. وحين بات الكروان الصادح أبعد من أن تصل إلينا رسائل حزنه شرعت في الكلام.
    " الأرواح يا ابنتي جنود مجندة , كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام , ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. وأنت تملكين روحا بريئة لها شعاعها الخاص القادر على أن ينفذ إلى الأرواح فيأسرها.
    أنك تبالغين كثيرا يا سعاد , حتى مع هذه القسوة التي لا تفارقني !
    هذه القسوة التي تدعينها ليست من طباعك , بل هي محاولة لإبراز قوتك. إنك تحاولين أن تخبري من حولك بأنك قوية متماسكة لا تعرفين الخضوع. اطلقت زفرة حارة ثم شرعت تمسح على ظهري بحنان ودفء مستطردة اختفاء اللؤلؤ في ظلمات البحر لا يعني عدم وجوده يا حبيبتي. ثم إنني أكاد أجزم بأن أخوتك يستحقون منك هذه المعاملة. لقد أدركت منذ اليوم الأول بأنهم هم من يدفعونك نحو هذا السلوك الشاذ عن طبيعتك. هل تذكرين ذلك اليوم , حين أتوا بك إلى المستشفى برفقة الدكتور ( عزمي ) ؟
    اومأت برأسي ثم حولت بصري نحو راحتي المضمومتين فوق ثوبي الأبيض. لقد كنت اذكر هذا اليوم بكل تفاصيله فلم يكن قد مضى عليه سوى أسبوع واحد فقط , ثم إن هذا الألم الذي اجتاحني في ذلك اليوم كان عصيا على النسيان. كنت اذكر لهفة ( عاصم ) و ( جلال ) وخوفهما المصطنع. لقد كانت مشاعرهم مثل قشرة رقيقة زائفة لا تكاد تخفي ما تحتها من رغبة وأمل في رحيلي. وحدها ( منار ) هي من كانت صادقة الدموع والحزن , وربما لهذا تختلف معاملتي لها بعض الشيء عن شقيقاي وإن كنت لا استطيع أن أغفر لها تخليها عني في محنتي خلال سنوات زواجي وما سبقها من أحداث.
    في ذلك اليوم , بعد أن ساعدتك الحبوب المهدئة على النوم العميق , كان أخوتك متحلقين حول فراشك يستمعون إلى نصائح الدكتور (عزمي ) فيما يخص حالتك , وكنت اقف هناك عند النافذة في صمت وسكون. ويبدو أن احدا منهم لم يلاحظ وجودي , أو أنهم قد لاحظوا ولكنهم لم يكترثوا كثيرا لهذا الأمر. لقد اتاح لي هذا الإهمال الفرصة لأتفرس في وجوههم وأعرف حقيقة مشاعرهم نحوك. أخبرهم الدكتور ( عزمي ) بأن حالتك تزداد سوءا وأن العلاج الكيماوي لم يعد بديلا مناسبا للجراحة. قال أيضا أنه سيقوم بتخفيض الجرعة الكيماوية تدريجيا وأنك في خلال شهر ستكونين جاهزة لإجراء عملية جراحية لاستئصال الرحم.
    عند هذا الحد التمعت عينا ( سعاد ) واطرقت نحو الأرض , فربت على يدها المرتجفة أحثها على الكلام.
    أكملي يا ( سعاد )
    " لقد أخبرهم الدكتور ( عزمي ) أن .. أن الأمل في نجاح العملية ضعيف جدا , قد لا يتعدى واحد بالمائة خاصة مع ما تعانيه من تضخم في عضلة القلب. رفعت بصرها إلي واردفت وهي تقاوم دموعها ولكنه يبقى أمل قائم لا بد أن نتمسك به. أليس كذلك ؟!. هذا ما قاله الدكتور ( عزمي ) , لابد ألا نستسلم. أنت بالذات يجب ألا تستسلمي , يجب أن تتخلصي من هذا اليأس الذي يتملكك , فمن المستحيل خروجك حية من غرفة العمليات إن بقيت على هذه الحالة من الاكتئاب.
    " هذا إذا ما أثار في قلبك الشفقة نحوي ؟
    “ ليس هذا فقط يا حبيبتي. هناك أيضا معاملة أشقاءك لك. لقد راقبتهم يومذاك عن كثب وعلى وجوهي شقيقيك شبح ابتسامة لا تكاد ترى ولكنها تحمل الكثير. أما أختك فقد كانت الوحيدة بينهم التي بدا عليها التأثر الشديد إلى حد البكاء. لقد أهملوك بالرغم من تحذيرات الطبيب. كنت أظن أن حديثه معهم سيجعلك على صدر أولوياتهم ولكن هذا لم يحدث. إنهم نادرا ما يأتون لزيارتك , وحتى في تلك الدقائق القصيرة التي يقضونها معك دائما ما يتفهون بتلك العبارات الخبيثة من قبيل ( إن الأخبار التي يحملها الطبيب إلينا تثير فزعنا وتزيد من حزننا عليك , ولكن لا مفر , يجب أن نتحلى بالأمل حتى النهاية ). هل مثل هذه الكلمات تليق بأن تقال لمريض يتملكه اليأس ؟!. أي أمل هذا الذي يتحدثون عنه ؟!.
    “ الأمل في موتي. على ما أظن ابتسمت ساخرة.
    “ معاذ الله يا حبيبتي. سوف تجتازين هذه المحنة بسلام. إن قلبي يحدثني بأنه لا يزال أمامك سنوات طوال من السعادة. تشبثي بالحياة ولا تركني إلي اليأس فإنه هو ما سيقتلك وليس المرض.
    “ اتشبث بالحياة!. لا يا ( سعاد ). إن التشبث بالحياة هو أكثر أنواع الموت انتشارا بين البشر. حين تتحول الحياة إلى مجموعة من الحروف مضمومة بعضها إلى بعض بلا ترتيب تفقد جدواها ويصبح استمرارها عبث بلا معنى.
    “ ثقي بالله يا صغيرتي. إنه وحده القادر على أن يضع عن كاهلك هذه المعاناة.
    الله !!.. ما أرحمه وما أعطفه. لقد كان دائما إلى جواري يشملني برحمته , حتى في تلك الأيام الحالكة التي كنت أظن فيها أنه قد تخلى عني وأوكلني إلى الدنيا تلهو بي كما تشاء. في تلك المواقف الأشد ألما ويأسا كان شفوقا بي عطوفا علي , ولكني كنت جاحدة منكرة لهذه الشفقة والعطف لا لشيء إلا لأني لم أكن أفهم الأمر على النحو الصحيح. لم أكن أفهم أن الرحمة قد تأخذ شكل القسوة وطابعها. حدث هذا حين حملت بطفلي الوحيد بعد شهرين فقط من زواجي. كان حلما سعيدا مات قبل أن يكمل شهره التاسع في أحشائي. يومها ملئني الغضب والجحود , كنت أشخص ببصري نحو السماء وأنا اصرخ باكية لماذا أنا بالذات ؟. لماذا علي أن أمر بكل هذا العذاب وأن اتحمله بصبر وصمت ؟. لم أكن أعلم وقتها حقيقة ذلك المسخ الذي أقترن بي. لقد كشف لي بعدها عن وجهه الحقيقي وادركت أي نوع من الضواري كنت متزوجة. عندئذ علمت كم كان ربي رؤوفا بي , فلو قدر لذلك الحلم أن يكتمل لتحول إلى كابوس يؤرقني ويذكرني دائما بما كنت أعانيه في كنف ذلك الوغد. ثم إنني احتضر الآن , ولأن ألقى طفلي في السماء أفضل من أن أفارقه على الأرض واتركه وحيدا يقاسي صنوف العذاب.
    هذه الذكري الموجعة التي تحرق قلبي وغيرها من فواجع الماضي القريب كان صخبها شديد ومدوي حتى أنه لم يترك في نفسي مكانا ولا أثرا لذكريات الطفولة المرحة وصدر الشباب الحالم. كان يكفي أن أرى طيف ابتسامة ( زوجي ) الراحل السادية تلوح في خيالي حتى تنتابني قشعريرة باردة تجمد الدم في عروقي. كانت أثار لعناته مطبوعة فوق جسدي مثل لوحة سريالية ملتهبة الألوان. الخوف واليأس والعذاب هو الإرث الحقيقي الذي ورثته عنه وليس تلك الثروة الطائلة التي اشترى بها أحلام عمري وآماله دون رغبة مني ولا إرادة. ما قيمة هذه الملايين التي خلفها لي ولم يعد في قوس العمر منزع ؟!. حتى وإن عمرت عمر نوح عليه السلام تبقى كنوز العالم بلا قيمة إذا ما قورنت بآلام عمر موؤد حثا عليه التراب عجوز متصابي وأخوة يملئهم الجشع.
    حين فرغنا من الحديث شعرت بالبرد يتسلل إلى جسدي عبر جلبابي الخفيف. كان الليل قد اناخ بثقله في سماء الكون وتسلل الظلام عبر النافذة المفتوحة حاملا معه دفقات من برد الشتاء القارص فخفت ( سعاد ) إلى النافذة لتغلقها. حين همت بأن تغادرني توسلت إليها أن تبقى , لا يزال في الغرفة فراش إضافي خصص لمرافق لم يأتي قط ولا بأس من أن تستخدمه لقضاء الليلة معي , فرحبت بتلبية طلبي.
    مرت على تلك الليلة ثلاثة أسابيع. واليوم اشعر بالخجل لأنني سمحت للقسوة أن تتملكني إلى حد كرهت معه يوما هذا الملاك النقي. ربما لا أبالغ حين اقول أن ابتسامتها وأحاديثها التي لم تكن تنقطع في تلك الليالي التي كنا نقضيها سويا كانت ولا زالت سلواي الوحيدة. إلا أن شيء ما غامضا كان يعكر صفو ابتسامتها في هذا الصباح. صوتها المرتعش وهي تلقي علي التحية ويدها المرتجفة وهي تحمل بقايا الإفطار إلى الخارج ثم عينيها الزائغتين اللتين كانتا تتحاشى أن تقع علي , هذه الهيئة الغريبة التي لم أراها عليها من قبل وذلك التوتر الذي ينضح منها كما ينضح العرق من مسام الجسد كلها أمور أثارت خوفي.
    “ ماذا هنالك يا ( سعاد ) ؟ سألتها وأنا أقترب منها بخطوات وجلة “ أراك حزينة وحائرة. هل تخفين عني شيئا ؟
    “ لا يا حبيبتي , لقد جاء الأستاذ ( عاصم ) و الأستاذ ( جلال ) لزيارتك.
    حتما هناك ما تخفيه عني وتخشى أن تخبرني به ولكنها تراهن على أن شقيقاي سوف يقومان بذلك نيابة عنها. يا لهذه الساذجة , إنها لا تدري أنهما ما كانا ليخبراني إذا ما ساءت الأمور , لا لخوفهما علي ولكن أملا في أن تزداد الأمور سوءا. هكذا هي سعاد من ذلك النوع من البشر الذي قد تبلغ بهم الطيبة مبلغ السذاجة , ولكي اعفيها من الحرج عمدت إلى الحيلة فطلبت منها ان تتخلص من بقايا طعام الإفطار وأن تبادر بلقاء شقيقاي فتخبرهما بأني لا زلت نائمة وأن الأطباء قد طلبوا عدم إزعاجي ولكن لا بأس أن يلقوا علي نظرة قصيرة. رفعت حاجبيها القصيرين دهشة ثم خفت تمتثل للأمر , بينما اسرعت إلى النافذة اغلقها واسدل ستائرها , ثم قفزت على الفراش متصنعة النوم في اللحظة الأخيرة.
    بأجفان شبه مطبقة رحت أختلس النظر نحو شقيقاي. اقترب ( جلال ) مني ووقف أمامي مباشرة بينما جلس ( عاصم ) على الفراش الآخر في طرف الغرفة البعيد. بدت بذة ( جلال ) العسكرية كوشاح أسود أسدل على عيني فزاد الموقف قتامة وضاعف من توتري. إنه مثل كثير من رجال الشرطة قاس غليظ القلب إلا أن أكثر ما يميز قسوته أنها ليست عائدة إلى طبيعة عمله واحتكاكه الدائم بالمجرمين إنما هي ركيزة فيه , ولدت معه وستموت معه.
    هز ( جلال ) كتفي بشيء من الخشونة فأطبقت جفني بقوة وكأنني أتوارى خلفهما , وامعنت في التظاهر بالنوم حتى تراجع للخلف خطوة. كان الذعر يتملكني مثل عصفور اطبق عليه فخ , إلا أنني تمالكت نفسي وانتظرت ما سيدور بينهما من حديث.
    قال ( جلال ) بصوته الأجش “ إنها غارقة في النوم. أدعو الله أن تكون نومتها الأخيرة.
    “ لا تكن عجولا يا ( جلال ) , ما هي إلا أيام قليلة قبل أن تبتلعها الأرض.
    “ أشك في هذا. تنهد ( جلال ) بنفاذ صبر “ إنها قوية وعنيدة مثل أفعى تبحث عن ثأر لها , أحيانا ما يخيل إلي أن إثارة غيظنا هو فقط ما يدفعها لأن تتشبث بالحياة.
    “ لقد كان الأمل ضعيف جدا في أن تنجو هذه المرة. قال ( عاصم ) بنبرة سعادة “ ولكن مع ما حدث هذا الصباح صار الأمل معدوما.
    هناك إذا ما حدث وسار بالأمر نحو الأسوأ. يا رب من أين لقلبي المريض كل هذه القوة المفاجأة التي يضرب بها جدار صدري ؟!.
    “ أنها الآن في عداد الموتى , فلا تدع القلق يستبد بك. قال ( عاصم ) وأنا أراه بعين خيالي يحك كفيه بنشاط كعادته في لحظات المرح.
    “ معك حق. إن القدر يقف إلى جوارنا. ما حدث اليوم علامة واضحة على أن الأمور تسير لصالحنا. ولكن ما يقلقني هو ( منار ) إنها غبية حمقاء , ماذا لو أنها , في لحظة عطف كتلك التي تنتابها دوما , اخبرتها بما حدث ؟!.
    “ وماذا لو أخبرتها. إنها لن تستطيع أن تغير من الأمر شيء. إن ما حدث قد حدث ولا أظن أنها أو أحد غيرها قادرة على أن تنزع عن الدكتور ( عزمي ) ما هو فيه. لقد كان حادث بشع فيما سمعت , حتى هو صار في عداد الموتى.
    “ أيها الأبله. صاح ( جلال ) بغضب دون مراعاة لكونه الأخ الأصغر “ أقسم أن أقتل من يخبرها بما حدث للدكتور ( عزمي ). دعها هكذا , مخدوعة حتى اللحظة الأخيرة , تظن أن العملية ستجرى في موعدها وأن الدكتور ( عزمي ) هو من سيجريها لها.
    “ ولما كل هذا ؟ سأل ( عاصم ) وقد اربكه غضب ( جلال ) وصياحه في وجهه.
    “ حتى لا تطلب نقلها إلى مستشفى أخر. حتى لا تطلب استدعاء طبيب أخر في خبرة ومهارة الدكتور ( عزمي ) ليجري العملية الجراحية. إن كل الأطباء في هذه المستشفى باستثناء الدكتور ( عزمي ) صغيري السن وقليلي الخبرة ولابد أن واحد منهم هو من سيتولى الأمر بعدما أصاب الدكتور ( عزمي ) وتلك الغيبوبة التي سقط فيها. هل فهمت أيها الأحمق ؟
    لم يحره ( عاصم ) جوابا وإن كنت أظن أنه قد اكتفى بإيماءة من رأسه كعادته أيضا في لحظات الخوف والخجل.
    كان وقع الخبر كالصاعقة على قلبي بالرغم من أنني لم أقف من حوارهما على تفاصيله. حمدت الله أن زيارتهما لم تطل فلم أعد قادرة على التظاهر بالنوم مع ما كاد يصيبني من انهيار عصبي. كان حادث بشع ذلك الذي اصاب الدكتور (عزمي) ولقد علمت فيما بعد من ( سعاد ) أن سيارته قد اصطدمت بشاحنة مسرعة في الصباح الباكر وهو في طريقه إلى هنا وأنه قد تم نقله إلى أقرب مستشفى لمكان الحادث حيث أجريت له عملية جراحية ناجحة في عموده الفقري , إلا أن حالته لا تزال حرجة خاصة مع تلك الغيبوبة التي تلفه.
    ما أن انصرف ( عاصم ) و( جلال ) حتى اعتدلت جالسة وقد استندت بيدي على حافة الفراش واطرقت برأسي نحو الأرض. كم أنت عجيب أيها القدر , ما أكثر حبائلك , وما أوسع جعبتك التي لا تخلو من السهام !. ولكن لا بأس , إن كان سهمك الأخير هذا إيذانا باستسلامي فقد استسلمت بالفعل. استسلمت يوم فارقتني الرغبة في الحياة , يوم مللت دوري الكئيب في هذه المسرحية العبثية. يمكنني أن احقق مخاوف أخي فانتقل إلى مستشفى أخر أو استدعي طبيبا أخر ذو شأن ومهارة ليجري العملية الجراحية لي ولكن يبقى السؤال , ماذا بعد ؟. مزيد من آلام اليأس والخوف ؟. إنها أشد وطأة على نفسي من آلام السرطان. بل إني لا أشك مطلقا في أن آلام جسدي ليست إلا انعكاس بلوري النقاء لآلام روحي.
    يا رب ,يا قادر يا جبار , يا قاهر لا يعتريه عجز ولا قصور ولا تأخذه سنة ولا نوم , يا من له الملك والملكوت والعزة والجبروت , ما عاد لي غيرك لأناجيه ولولا خوفي منك لما ترددت في أن أضع بيدي حدا لهذه المعاناة التي أعيشها. لقد انقطعت بي السبل وفوضت أمري إليك يا من تعلم خبايا القلوب.
    ما بال تلك العبرات اللعينة تحرق عيناي.
    “ عفوك يا رب.
    رفعت رأسي نحو السماء وهمست بها بوعي شبه غائب ثم انفجرت في البكاء.
    ...............................................
    ملحوظة:
    كان جدير بي أن أعرفكم بنفسي قبل الشروع في كتابة مذكراتي فأخبركم بأن أسمي ( وفاء ) وأنني ابلغ من العمر ثمانية وعشرون عاما و .. و .. و .. إلى آخر هذه الثرثرة التي لن تجدي. ما قيمة أن تتعرفوا إلى امرأة تحتضر!. يكفى أن تعلموا أنني بقلبي المريض على وشك إجراء عملية جراحية خطيرة لاستئصال رحمي المصاب بالسرطان , وأن موعدا قد حدد لهذه العملية بعد ثلاثة أيام , أي في يوم الثالث من مارس.
    إنها مفارقة أخرى من مفارقات الحياة الساخرة , فالثالث من مارس هو ذكرى ميلادي.