عمى الوجوه








عمى الوجوه
عن الكاتبة بشرى عبد الرحمن




وقف أمام المرآة يتساءل : متى سأتمكن من حل هذه المعادلة المعقدة ؟! صرت ثلاثنيا ولم أتمكن من فك هذي الرموز والشفرات ، هل كل البشر عباقرة وأنا الغبي من بينهم ؟ أخرج تنهيدة ضخمة على إثرها تبسم ابتسامة ساخرة ، هذا الصوت حللته جيدا (يقصد تنهيدته ) إنه صوت الإعياء ، فلماذا يكمن التعقيد في المرآة ؟! بعدها ضرب بإصبعه على رأسه قائلا: لم أطلب منك الكثير، أريد أن تعي ما في هذه المرآة فقط فإن لم تحفظه فمن أنا ؟؟! طأطأ الرأس هذا كثير علي أيها العقل الغبي ! ألست تميز صوت السيارة عن الشاحنة ؟! ألست تميز الأحمر عن الأزرق ؟ فلماذا تتغابى هنا ؟؟؟؟؟ضرب على صدره بقوة وتعرق جبينه وكأنه غاضب يلعن نفسه أم أن الخطأ هنا؟ ! (قالها مشيرا إلى قلبه ) ألا تحفظ ود أحد ؟! ألست وفيا لمن أنجبوك ؟! ألا تحفظ صورة صديق مقرب؟ ! هل تنسى العشرة ألا تحملك عاطفة قوية على تذكر من ساندك ومن أحسن إليك ؟؟؟! ثم سحت دموعه على خديه ها أنت تتألم فلم تتظاهر بالبرود أمام أقرب الناس إليك ؟! (لا أعرفكم) فرقت بيني وبين كل صديق وقريب ، لا أتذكر ولا أدري هي كلمات وداع بالنسبة إلي أجبر على قولها كل يوم، يمنحني الكذب بالتظاهر بأني عرفتهم بضع ساعات إن كنت محظوظا، وقد لا تتجاوز الدقائق، لو يسمحون لي أن أشرح لهم ،أن أعتذر ، فأنا أتذكر مواقفهم ، أتذكر من مسح بصاق الآخرين لأني قابلتهم بالأمس ثم لم أميزهم ، أحفظ أسماءهم ، وأعلم عن قوامهم ،وأكثر ما أذكره لون شعرهم والتسريحة المفضلة ، ولون أعينهم ، وإن أطالوا الحديث ربما أميز أصواتهم ، لكن وجوههم ! ! وجوههم .................صمت بعدها طويلا وتحدثت دموعه بفصاحة دون صوت
ثم تلعثم هنيهة وقال : أحببت معلمي الذي كنت أراه كل يوم ، يوم غير قصة شعره وثوبه في الحفل لم أعرفه ، كم يرهبني السير في الطرقات ،أخاف من رؤية صديقي الذي بجانبي أو جاري في مكان آخر أو بزي آخر أو بلون شعر آخر ، لا عجب أن المجتمع ينبذني !فأنا أنبذ نفسي ولا أستطيع تمييز وجهي ، أختي وأبي وأمي لونوا شعرهم لأجلي بألوان مضحكة ، قبل أن يأتوا بثوب جديد يعرضونه علي ، ويتجنبون لبس ما يتشابه ، هكذا كان يتمتم للهواء الذي لا يملك وجها عله يتفهمه ،، وفي أثناء ذلك ظهرت في المرآة صورة معقدة جدا ، لكن لون الشعر مألوف ولون العين معلوم اقتربت منه ومسحت بيديها عرق جبينه ودموعه وضمته إلى صدرها طويلا ، إيه يا بني ! كم تملك قلبا طيب ! ثم أراد أن يرى عينها فقالت دعك من وجهي وتلمس يدي، ألا تشعر بحنوها ؟ قال: نعم
وأنا حين مسحت دموعك أدركت كم أنت عاطفي، لأنك رقيق المشاعر لم ترد أن تؤذي أحدا، بني ! سيولد من يفهمك ، فلا تعبأ بالناقدين ومن يسئ الظن بك ، فالله يعلم خفايا صدرك ، ويختبرك، وأنا أثق بك ، إن شئت لن أغير تسريحة شعري ،بل سأشتري درزنا من الملابس المتشابهة ، تبسم هناك بإشراق ولمعت عيناه قائلا: ليت كل الناس أمي .
ضحكت الأم: يا حبيبي قل الحمد لله وأنا أعدك بأن الله خلق في هذه الدنيا من يشبهني ويثق بك ويتفهمك .
ضحك الرجل ضحكة ساخرة وقال: بالفعل كل الوجوه تشبهك .