وعد قلم








وعد قلم




توالت عليها سهام الحياة من كل مجرة، في كل مرة تصاب بشدة كانت تقاوم لتنهض، كان غريبا نضالها، عنيفا حربها من أجل قضية آمنت أنها لن تحيا إن لم تشهد نصرها.

لكن الأغرب حربها الأخيرة، حرب لم تتوقع أن تكون يوما ضد قضيتها في الحياة، لم تكن قواها منهكة لمواصلة الحرب، أو الظفر بالعدو الذي طالما هزمته بشراسة، بل خارت قواها؛ لأنها لم تعرف عدوها في ساحة الحرب، حيث كانت تقاتل بمعدة معطلة، وأمعاء متجعدة، وقلب لم يتوقف عن النبض يوما لقضيتها، كانت تصرخ وهي توجه طعنات لمن ظنت أنهم أعداؤها، معلنة بصراخ مدو عن كلمات لا تمت لحقل قضيتها بصلة، ربما لتنفس عن معاناتها بذلك.

للحظات شعرت بسهم مألوف يمزق أطرافها، سهم واحد يمتلك سموم كل المجرات، اخترق جسدها المنهك؛ فأعلن الأخير تمرده لينهار ...

كانت تعرف لكنها لم تصدق، رفعت عينيها لقضيتها، وقالت بمرارة: أهذه أنت يا مارينا؟

"مشيرة في القول إلى دونا مارينا؛ وهي من أكثر النساء الملعونات في العالم، معروفة بخيانتها لشعبها، لصالح المكتشفين الإسبان".

لم تمت بعد صديقتنا، لكنها مازالت تصارع من أجل الموت، لا من أجل الحياة؛ لأنها قررت أخيرا الاستسلام لمصيرها الذي لم يصنعه أحد سوى نفسها، ففي النهاية نحن من يختار مصائرنا بقراراتنا المغفلة، أو بغبائنا المقرر.

أخذت قلمها النحاسي الذي لم يعرف يوما أن ينسج سوى الأمل؛ لتكتب في مذكرتها هذه المرة عن الألم.

هي تعلم جيدا أنها تعيش فصلها الأخير في هذه الحياة، ففي كل يوم تسقط ورقة من شجرة عمرها، ويسقط معها الكثير الجميل، وحده الألم من يعرف التكاثر والصمود!

كان القلم أنيسا موحشا لها، يعيد كتابة وعود قديمة، في كل مرة تتجرع فيها طعم المرارة.

في إحدى الليالي الخرساء حيث تجدي الاعترافات، قررت أن تكتب لطفلتها التي لم يكتب لها أن تولد إلا في الحلم الجميل، كانت إحدى أكبر خسائرها في هذه الحياة، لطالما تمنت طفلة، وأضحت الأمنية مستحيلة، ليس من أجل قضيتها؛ فهي ما عادت تؤمن بقضايا الوجود، بل لأنها تصارع مصيرا لعينا يدعى المرض!

كتبت آخر كلماتها: "ابنتي الغالية، تعلمين أفضل ما قد حدث لك؟ هو أنك لم تولدي أبدا، وأفضل ما سيحدث لي: أنني سأموت قريبا".