هواء المدينه ...






تكومت فى ركن مظلم ،
لفت ساقيها بذراعيها وأحزانها ،
لا شيء حولها له قيمة ، الرجل الذى أحبته ،
أهرها بماله وأفكاره وأناقته ،
ارتبطت به فى حفل أسطورى ،
لبت رغبته فى أن تكون له فقط ،
قاطعت الدنيا من أجله .
بمرور الأيام أصبحت مجرد قطعة أثاث جميلة
داخل هذا القصر الفخم ، لم تعد تلفت نظره ،
فقط يستعملها ، كما يستعمل الأريكة
أو يفتح المذياع ، أو يضع المفتاح
فى الباب ، فقط تميزت بأن لها صورة على الحائط
فى برواز أنيق ، آخر مرة تبادلت معه
حديثا كان منذ شهرين تقريبا ،
كان آخر استعمال لها ،
قذفها بنظرات ساخرة وكلمات حادة ،
اتهمها بالبرود ، ألقت اللوم عليه ،
لم يعد يشغل نار المدفأة ،
انتشر الصمت فى المكان .. تجمدت الأشياء ..
سمعت صوت مفتاحه يخترق الباب ،
اخترقت خطواته بقاياها وعينيها ،
سنواتها العشر معه مرت كمائة عام ،
تخاف من المرآة ، تكشف لها دائما كيف صارت
امرأة عجوز، عندما يمسك الجريدة تتابعه ،
يجلس معها ساعات طويلة ،
يصطحبها معه الى غرفته المستقلة ،
تلاحظ بقاء الأنوار لوقت متأخر من الليل ،
تسمع صوت ضحكات ووشوشات،
فى الصباح عندما يغادر المكان يبقى عطره لساعات ،
الهاتف بجوارها صامت مثلها ، حزين ،
ملابسها الأنيقة التى تملأ دولابها لا عطر فيها ،
ما قيمتها وقد صارت مجرد
ديكور يمنع اتهامها له بالبخل .
قررت أن تزيح عنها برودها ،
أن تشعل هى المدفأة ،
أن تتحول من جديد الى قطعة أثاث لم يقتنيها من قبل ،
فتحت دولابها ، أخرجت أحد فساتينها الجديدة ،
كلها جديدة ، تزينت ..منذ زمن لم تتزين،
تعطرت..منذ زمن لم تتعطر ، فتحت باب القصر ..
لم تغادر قصرها العتيق منذ زمن،
انطلقت حيث هواء المدينة ،
حيث نظرات البحر لها ، احتكاك الأرض بقدميها ،
اختلاط كلماتها بكلام الآخرين .
لأول مرة ترى غيرها من النساء.
فى المساء .. عندما وضع مفتاحه فى الباب وجده مفتوحا ،
جذبه عطر جديد يعبق فى القصر، كانت كل الأنوار مضاءة ،
صوت المذياع ينشر لمسات موسيقية هادئة ،
جذبه الدفء القادم من المدفأة!!