أكذوبة ..








أكذوبة



عقد إضبارة أوراقه مثلما عقد النية والعزم على ألا يؤوب لأرض أهلوها يرفضون أدبه، ولا يلتفتون لبديع مقاله، فأسر لنجم الليل بحديث فأجاره بظلمته، تذكر بعضا من حاجياته التي سيرحل بها فعاد يجمعها، سرى طائر ليل يجهله لينقر في عقدة أوراقه الهينة نقرا حتى حلها؛ فابتعثت الأوراق بعضها بعضا لمجاهل الشوارع البعيدة، والأسطح الممددة، وطرقات البيوت وأعتابها، فلما رآها تتناثر كأنها نار قد اضطرمت في هشيم، ولى مدبرا، وقد سرت بعض أنضاء أمل زاهق إلى نفسه، يتمنى لو أن الريح التي نثرتها أن تجمعها له بمكان أمين، فيضمها إلى كنفه ثانية، يتعهد لها بأن يمنحها لقب "ميمونة النقيبة" الذي أولاه ابن العميد لكاتبه "ابن مسكويه"، لكن بلا جدوى؛ إذ كانت الريح الأخرى تجري بما يشتهي قومه؛ فخرج وتاه في مجاهل النسيان.

آب بعد حين وقد ساقه حنينه، فقابله رجل بالدرب، فانكب عليه يسأله:
• ألا تعرفني؟!
• من؟
• أنا من كان يسكن تلك القرية، ولي هنا أهل وذوون! ألا تذكرني؟!
• تذكرتك! وأنصحك أن تعود أدراج غيابك، إني لك ناصح أمين.
• كيف هذا، وتلك بلدتي وبالقرب منك داري؟!

• أعرف ... لكن الناس قالوا: إنك قد حلقت في السماء بعدما نثرت على الخلق أوراقك، وما خطت يمينك، ألا تدري بكم بيعت كل ورقة احتملت زبد أحبارك؟!

مستبشرا: لعلهم قرؤوا ما بها أخيرا!
• بتهكم خفي: نعم قرؤوا، لكن المهم الآن أن تختفي.
• لعلك تهذي؟!

• لست أهذي، إن شهرة تثمين أوراقك جاءت من فكرة تحليقك، فكل يوم تجيء الصحف، وتبعث وكالات الأنباء الراصدين، وتشتعل مواقع التواصل بالحادث والحاصل، لقد صرت الأعجوبة في زمن شحت فيه الأعاجيب.

• أعجوبة أم أكذوبة؟!
• إن عدت ستكون الأكذوبة، أسألك الرحيل، لا تكن أنانيا.

عادت لصدره ثانية هواجس اليأس التي كادت تزول فاستقرت ناحية الفؤاد، جاهد الريح التي تدفعه ثانية للخروج، وعاد يسأله:
• ألديك قلم من رصاص وورقة؟
• بتهكم خفي: ولم؟!
• أخط لك مخطوطة؛ لعلك ترزق مثلهم.
• جاء بها سريعا ثم تباطأ يسأله: وإن سألني الناس عنها؟
• بتهكم ظاهر: قل لهم جاءني في المنام فخطها، ثم عرج ثانية في جو السماء.