على عتابات رحيل رمضان

خيمة مواضيع خاصة بشهر رمضان المبارك
  • ارسال إلى Twitter
  • ارسال إلى facebook
  • ارسال إلى google plus
    1. الحلم
      20-06-2017, 11:22 PM

      على عتابات رحيل رمضان

      على عتابات رحيل رمضان



      على عتابات رحيل رمضان

      الحمد لله العزيز الحميد، الملك الحق ذو العرش المجيد، ينقل الناس من حال إلى حال - سبحانه - فعال لما يريد، أحمده سبحانه أن شرع لنا فرحة العيد، وأشكره شكر من يرجو من سيده وخالقه المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله أعد لعباده المتقين جنة الخلد لهم ما يشاؤؤن فيها ووعدهم بالمزيد، وتوعد من بطر وعصاه نارا كلما سئلت هل امتلأت تقول: هل من مزيد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير من عاش فرحة العيد، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
      ترحل شهر الخير والهفاه وانصرما واختص بالـفوز في الجنات من خدما
      وأصبح الغافل المسكين منكسرا مثلي فيا ويـحه من عـظم ما حرما
      من فاته الزرع في وقت البدار فما تـراه يحـصـد إلا الهـم والندمـا
      أيها الكرام:
      بالأمس القريب كنا نستقبل شهر رمضان، ونتلقى التهاني بقدومه، واليوم نودعه بكل أسى، وتأتينا التعازي برحيله، نودع شهر رمضان المبارك بنهاره الجميل، ولياليه العطرة، نودع شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر مغفرة الذنوب، وستر العيوب، وعمارة القلوب، شهر قد فاز فيه من صامه وقامه إيمانا واحتسابا، وخسر فيه من عاشه زورا وبهتانا، فيا ليت شعري عباد الله:
      من المقبول منا فنهنيه بحسن عمله، أم ليت شعري من المطرود منا والخاسر فنعزيه بسوء عمله.
      ترحل شهر رمضان وولى، ومضى كأنه طيف خيال، ذهب وقد استودعناه أعمالنا بخيرها وشرها، بحلوها ومرها، بصفوها وكدرها، بإحسانها وإساءتها، ولا ندري أيكون رمضان شاهدا علينا بالخيرات، راحلا عنا بالحسنات، أم شاهدا علينا بالتقصير والتفريط، والانكباب على الشهوات والملذات.
      عبد الله:
      تذكر وأنت تودع شهرك سرعة مرور الأيام، وانقضاء الأعوام، فإن في مرورها وسرعتها عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين قال - عز وجل -: {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}1، فما أسرع مرور الليالي والأيام، وكر الشهور والأعوام، والعمر فرصة لا تمنح للإنسان إلا مرة واحدة، فإذا ما ذهبت هذه الفرصة وولت فهيهات أن تعود مرة أخرى، فاغتنم أيام عمرك قبل فوات الأوان ما دمت في زمن الإمكان، قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى -: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل أنت فيهما"، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي".
      ما بال شهر الصوم يمضي مسرعا وشهور باقي العام كم تتمهل
      عشنا انتظارك في الشهور بلوعة فنزلت فيـــنا زائرا يتعجل
      ها قد رحلت أيا حبيب وعمرنا يمضي ومن يدري أأنت ستقبل
      أيها الحبيب:
      إنك لا تدري لعله بمرور هذا الشهر ينطوي آخر سجل من صفحات حياتك، فقد لا يعود عليك، وقد تفأجك المنون فلا تؤول إليه.
      أيها الأخ المسلم الكريم: لنسأل أنفسنا: هل استفدنا من رمضان؟ هل جنينا من ثماره اليانعة وظلاله الوارفة؟، هل حققنا التقوى التي هي غاية هذا الشهر يقول سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}، ثم أوضح الرب - تعالى - غاية فرضيته فقال مبينا إياها: {لعلكم تتقون}2.
      يا أخي أبحث بين جنبات نفسك فأنت أعرف بحالها، لقد كان رمضان مدرسة ربانية فهل حضيت منها بشهادة اليقين؟ يا ترى أزكينا أنفسنا، وهذبنا أرواحنا، وصقلت منا طباعنا في هذا الشهر الكريم؟ أعملنا بأسباب المغفرة والرحمة، وكتبنا من العتقاء فيه من نار جهنم - أعاذنا الله وإياكم منها -؟
      أسئلة كثيرة، وخواطر عديدة؛ تتداعى على قلب كل مسلم صادق يسأل نفسه، ويجيبها بصدق وصراحة، نسأل الله أن يجعلنا كذلك، فيا خسار من أفلت عنه شمس هذا الشهر ولم ينل من نفحات الله ما دمعت له عينه، وخشع له قلبه، وخضعت له جوارحه.
      أقول والله محروم من كان نصيبه من هذا الشهر الجوع والعطش، نهاره في نوم، وليله في حوم، كل همه متى تدنو لحظة الغروب ليقضي على يوم من حياته لم يتعرض فيه لنفحات ربه، ولم يتزود فيه لسفر آخرته
      يا خـادم الجسم كم تشقى بخدمته؟ أتطلب الـربح ممـا فيه خسران
      أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالـروح لا بالجسم إنسان
      عباد الله:
      لقد كان رمضان عبر الدهور، وتتبع العصور؛ مدرسة إيمانية، ومحطة روحية، يتزود منه العبد لبقية عامه، ويشحذ همته، لبقية عمره، إنه بحق مدرسة للتغيير نغير من عاداتنا وسلوكنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}3.
      لقد كان شهر رمضان ميدانا يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق فيه المتسابقون، ويحسن فيه المحسنون، تروضت فيه النفوس على الفضيلة، وتربت فيه على الكرامة، وترفعت عن الرذيلة، وتعالت عن الخطيئة، واكتسبت فيه كل هدى ورشاد، ومسكين ذاك الذي أدرك هذا الشهر ولم يظفر من مغانمه بشيء، ما حجبه إلا الإهمال والكسل، والتسويف وطول الأمل.
      أيها المبارك:
      عهدناك في رمضان منيبا إلى ربك، تائبا من ذنبك، راغبا في رحمة الله وثوابه، خائفا من نقمة الله وعذابه.
      عهدناك في رمضان محافظا على أداء الصلوات في الأوقات، حريصا على شهود الجمعة والجماعات، مقبلا على مجالس العلم، ومستعدا لقبول النصائح والعظات.
      عهدناك في رمضان قواما، تاليا للقرآن آناء الليل، وأطراف النهار، عهدناك مهذبا تقيا، متواضعا نقيا.
      ما كان أحسننا والشمل مجتمع منا المصلي ومنا القانت القاري
      وفي التراويح للواحات جامعة فيها المصابيح تزهو مثل أزهار
      والسؤال: على أي شيء عزمت بعد انقضاء شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن؟
      قيل لبشر - رحمه الله -: إن قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فقال: "بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها".
      وسئل الشبلي - رحمه الله -: أيما أفضل رجب أو شعبان ؟ فقال: "كن ربانيا ولا تكن شعبانيا".
      لقد كان نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - عمله ديمة، فقد سئلت عائشة - رضي الله عنها - هل كان يخص يوما من الأيام؟ فقالت: "لا، كان عمله ديمة"4، وقالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"5.
      فإليك أنت يا من جعلت رمضان محطة تتقرب وتتزلف بها إلى بارئك: ما بالك جعلت ختام طاعتك صوت مدفع العيد، وقطعت كل صلة كنت قد وثقتها مع ربك، وعدت لغفلتك وضياعك، وتخليت عن كنز ساقه الله إلى قلبك يوم أقبلت على بيوته فعمرتها بطاعة ربك، وأحييتها بلذة مناجاة خالقك.
      انتبه أن تخدعك المظاهر، وتلهيك الشواغل، وتتعلق بحبال التسويف، وطول الأمل؛ فما يدريك لعل الموت قاب قوسين منك أو أدنى، فبالله كيف تلقى ربك حينها وقد ضيعت أوامره وانتهكت محارمه؟ إياك يا هذا أن يغريك ما تراه في نفسك من صحة وعافية، وشباب وقوة، ونشاط وفتوة، فما هي إلا سراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء أو كبرق خلب سرعان ما يتلاشى وينطفي ويزول، فالصحة سيعقبها السقم، والشباب يلاحقه الهرم، والقوة آيلة إلى الضعف، ألا استيقظ يا هذا من غفلتك، وأفق من نومتك، وانتبه من كبوتك، فالحياة قصيرة وإن طالت، والفرحة ذاهبة وإن دامت.
      بكت المساجد تشتكي عمارها كم قل فيها قــارئ ومرتل
      هذي صلاة الفجر تحزن حينما لم يبق فيها الصـف إلا الأول
      هذا قيام الليل يشكو صحـبه أضحى وحيـدا دونهم يتململ
      كم من فقير قد بكى متعفـفا من بعد شهر الخير عنهم يسأل؟
      يا من عبدتم ربكم في شهركم حتى العبــادة بالقبول تكلل
      لا تهجروا فعل العبادة بعـده فلعل ربي مـــا عبدتم يقبل
      فيا من ألف الحق تمسك به هديت، واستمر عليه، نعم اجعل رمضان كقاعدة تنطلق منها للمحافظة على الصلاة في باقي الشهور، نعم اجعل رمضان منطلقا لترك الذنوب والمعاصي؛ عل الله - عز وجل - أن يغفر لك بما قدمت، وإياك ثم إياك أن تكون من عباد رمضان.
      عمل المؤمن غايته الموت:
      أيها الأحباب: إذا انقضى رمضان فإن المؤمن لا ينقضي عمله، فإذا كان الرب - سبحانه - يخاطب أشرف عباده، وأزكى خلقه؛ فيقول - عز شأنه - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}6، فما بالي وبالك قال بعض أهل العلم: ليس لعمل المؤمن غاية إلا الموت"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا مات العبد انقطع عمله .. ))7، فتأمل كيف أنه لم يجعل لانقطاع العمل غاية إلا الموت، وأسمع ماذا يقول الحسن البصري - رحمه الله -: "أبى القوم المداومة، والله ما المؤمن الذي يعمل شهرا أو شهرين، أو عاما أو عامين؛ لا والله ما جعل الله لعمل المؤمن أجلا إلا الموت" فيجب أن يكون العبد مستمرا على طاعة الله، ثابتا على شرعه، مستقيما على دينه، لا يروغ روغان الثعالب، يعبد الله في شهر دون شهر، أو في مكان دون آخر، أو مع قوم دون آخرين، لا وألف لا!!
      بل يعلم أن رب رمضان هو رب بقية الشهور والأيام، وأنه رب الأزمنة والأماكن كلها، فيستقيم على شرع الله حتى يلقى ربه وهو عنه راض، وهذا ربك فاسمعه يقول سبحانه: {فاستقم كما أمرت}8 ، وقال - عز وجل -: {فاستقيموا إليه واستغفروه}9، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((قل آمنت بالله ثم استقم))10، فلئن انتهى صيام رمضان فهناك صيام النوافل: كالست من شوال، والاثنين، والخميس، والأيام البيض، وعاشوراء، وعرفة وغيرها.
      - ولئن انتهى قيام رمضان فقيام الليل مشروع في كل ليلة {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون}11.
      - ولئن انتهت صدقة وزكاة الفطر فهناك الزكاة المفروضة، وهناك أبواب للصدقة، والتطوع، والجهاد كثيرة ومفتوحة.
      - وقراءة القرآن وتدبره ليست خاصة برمضان بل هي في كل وقت.
      - وهكذا فالأعمال الصالحة في كل وقت وكل زمان فاجتهد أخي في الطاعات، وإياك والكسل والفتور، فإن لم تستطع العمل بالنوافل فلا يجوز لك أبدا أن تترك الواجبات وتضيعها كالصلوات الخمس في أوقاتها، ومع الجماعة وغيرها، ولا أن تقع في المحرمات من قول الحرام، أو أكله، أو شربه، أو النظر إليه واستماعه، فالله الله بالاستقامة والثبات على الدين في كل حين، فلا تدري متى يلقاك ملك الموت، فاحذر أن يأتيك وأنت على معصية.
      ولتعلم أخي الحبيب:
      أن من علامات قبول العمل أن ترى العبد في حال أحسن من حاله السابق، وأن ترى فيه إقبالا على الطاعة، وإن شئت فاقرأ قوله سبحانه: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم}12 أي: زيادة في الخير الحسي والمعنوي، فيشمل الزيادة في الإيمان والعمل الصالح، فلو شكر العبد ربه حق الشكر لرأيته يزيد من الخير والطاعة، ويبعد عن المعصية، والشكر ترك المعاصي كما قال السلف.
      اسأل الله أن يوفقني وإياك لما يحبه ويرضاه، إنه جواد كريم سميع الدعاء، قلت قولي هذا واستغفري الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
      الخطبة الثانية:
      الحمد لله الواحد الأحد، الذي لا يحول ولا يزول، يدبر الأمور بحكمته، ويصرف الأمور بقدرته، جعل مستقر المتقين الصالحين في جنته، وجعل مستقر المعرضين والكافرين نيرانه وغضبه، فله الحمد والشكر على ما تفضل به من عظيم كرمه، وواسع رحمته.
      أشهد أن لا إله إلا الله وعد بالمزيد من يشكر نعمته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى منهاجه وشرعته، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبته:
      أيها المسلمون: إن من يقارن أحوال الناس في رمضان وبعد رمضان ليأخذ العجب من لبه كل مأخذ، حينما يرى مظاهر الكسل والفتور والتراجع عن الطاعة في صورة واضحة للعيان، وكأن لسان حالهم يحكي أن العبادة والتوبة وسائر الطاعات لا تكون إلا في رمضان، وما علموا أن الله سبحانه هو رب الشهور كلها، وما شهر رمضان بالنسبة لغيره من الشهور إلا محط تزود وترويض على الطاعة والمصابرة عليها إلى حين بلوغ رمضان الآخر، ولا غرو في ذلك عباد الله، فالله - جل وعلا - أتبع فرض الصيام على عباده بقوله: {لعلكم تتقون}13.
      ومن هنا - عباد الله - كان لزاما علينا أن ننظر إلى حقائق العبادات وآثارها لا إلى صورها ورسومها، إذ كم من مجهد نفسه كان حظه من صيامه الجوع والعطش، وكم من مواصل للعبادة فيه فكان حظه فيه التعب والسهر، وآكد ما يدل على ذلك حينما يسائل الناس أنفسهم: كم مرة قرؤوا القرآن في رمضان؟ وكم سمعوا فيه من حكم ومواعظ وعبر؟ ألم يسمعوا كيف فعل ربهم بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟! ألم يقرؤوا صيحة عاد، وصاعقة ثمود، وخسف قوم لوط؟ ألم يقرؤوا الحاقة والزلزلة والقارعة وإذا الشمس كورت؟! فسبحان الله ما هذا الران الذي على القلوب؟ {أفلا يتدبرون ٱلقرءان ولو كان من عند غير ٱلله لوجدوا فيه ٱختلـٰفا كثيرا}14.
      أفقدت قلوبنا بعد ذلك من حجر؟! أم خلقت من صخر صلب؟! ألا فليت شعري أين القلب الذي يخشع، والعين التي تدمع؟ فلله كم صار بعضها للغفلة مرتعا، وللأنس والقربة خرابا بلقعا، وحينئذ لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة، ولا الكبير فينا يلتحق بالصفوة، بل قد فرطنا في كتاب ربنا في الخلوة والجلوة، وصار بيننا وبين الصفاء أبعد ما بين المروة والصفا فلا حول ولا قوة إلا بالله {أفلا يتدبرون ٱلقرءان أم علىٰ قلوب أقفالها * إن ٱلذين ٱرتدوا علىٰ أدبـٰرهم من بعد ما تبين لهم ٱلهدى ٱلشيطـٰن سول لهم وأملىٰ لهم}15.
      أيها المسلم:
      ذقت لذة الصيام، وطيب الصيام، ونتائج الصيام، وسمعت الأخبار عن المصطفى في فرض الصيام، وأن الله يقول: ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها))، يقول الله: ((إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به))16.
      إذ سمعت هذا، فاعلم - رحمك الله - أن نبيك - صلى الله عليه وسلم - شرع لك صياما في أيام متعددة، فشرع لك أن تصوم ستة أيام من شوال تتبع بها رمضان، يقول نبيك: ((من صام رمضان وأتبعه بستة من شوال فكأنما صام الدهر))17، الحسنة - من فضل الله - بعشر أمثالها، فرمضان بثلاثمائة يوم، وست من شوال بستين يوما، فمن صام رمضان وأتبعه صيام ستة أيام من شوال كتب الله له صيام الدهر كله، وهذا من فضل الله عليك.
      إذن يا أخي المسلم تقرب إلى الله بصيام هذه الست من شوال، أنا أقول: ليست واجبة عليك، ولا أعاتبك إن لم تصمها، ولا أقول: إنك مخل بفرض، لا، أقول: هي سنة، هي نافلة، هي طاعة، لكن فضلها عظيم، فلا تحرم نفسك هذا الفضل العظيم، والله مصحح بدنك ومقويك ومعينك، فتقرب إلى الله لتجد ثوابها يرجح به ميزان عملك يوم توزن الأعمال يوم القيامة.
      وختاما أيها الكريم:
      ينبغي أن تحرص على أعمال البر والخير، وأن تكون يوم عيدك بين الخوف والرجاء، تخاف عدم القبول، وترجو من الله القبول، وتذكر يوم عيدك يوم الوقوف بين يدي الله - عز وجل - فمنا السعيد ومنا غير ذلك.
      مر وهيب بن الورد على أقوام يلهون ويلعبون في يوم العيد فقال لهم: "عجبا لكم إن كان الله قد تقبل صيامكم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان الله لم يتقبل فما هذا فعل الخائفين".
      فكيف لو رأى ما يفعله أهل زماننا من اللهو والإعراض، بل مبارزة الله بالمعاصي يوم العيد؟
      ولا تنسوا أيها الكرام:
      حينما تشرق شمس صباح العيد، فيجتمع الشمل، ويلبس الجديد، ويؤكل ما لذ وطاب؛ أن تذكروا ذلكم الطفل اليتيم؛ الذي ما وجد والدا يبارك له بالعيد، ولا يقبله، ولا يمسح على رأسه، قتل أبوه في جرح من جراح هذه الأمة، وتذكروا تلكم الطفلة الصغيرة؛ حينما ترى بنات جيرانها يرتدين الجديد وهي يتيمة الأب.
      إنها تخاطب فيكم مشاعركم وأحاسيسكم، إنها تقول لكم:
      أنا طفلة صغيرة، ومن حقي أن أفرح بهذا العيد، نعم .. من حقي أن أرتدي ثوبا حسنا لائقا بيوم العيد، من حقي أن أجد الحنان والعطف، أريد قبلة من والدي، ومسحة حانية على رأسي، أريد حلوى، ولكن السؤال المر الذي لم أجد له جوابا حتى الآن هو: أين والدي؟ أين والدي؟!
      وعليكم عباد الله: بتقوى الله، فإن تقواه رأس الأمر كله، واعملوا بطاعته تفوزوا بمرضاته، واجتنبوا محارمه تنجوا من غضبه وعقابه، ولا تعودوا إلى الانغماس في معصيته، فإن الانغماس في المعاصي يوجب عذابه، وقد ودعتم موسما مباركا عظيما من مواسم المتاجرة مع ربكم في الأعمال الصالحة، وكأنكم بالأعمال قد انقضت، وبالدنيا قد مضت، فاستعدوا بذخائر الأعمال لما تلقون من عظيم الأهوال، وقد آن وقت التحويل إلى الوقوف بين يدي الملك الجليل، فأنفاسكم معدودة، وملك الموت قاصد إليكم، يقطع آثاركم، ويخرب دياركم، فرحم الله عبدا نظر لنفسه، وقدم لغده من أمسه، فترحل من مواطن غيك وهلاكك إلى مواطن رشدك وسدادك، ولا تغتر بكثرة الهالكين بزخارف الدنيا، ولا تستوحش من الحق لقلة السالكين.
      لا تأمن الموت في طرف ولا نفس إذا تسترت بالحجاب والحرس
      واعلم بأن سهـام الموت قاصدة لـكل مدرع منـا ومتـرس
      ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
      أيها المسلمون عباد الله: اشكروا ربكم على تمام فرضكم، وابتهجوا بعيدكم بالبقاء على العهد، وإتباع الحسنة بالحسنة، وإياكم والمجاهرة في الأعياد بقبيح الفعال والآثام، فذلك ماحق للنعم يقول أحد السلف: "كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد، وكل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو عيد"18.
      واعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل: {إن ٱلله وملـٰئكـته يصلون على ٱلنبى يٰأيها ٱلذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}19، أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام وسائر الأعمال، وأن يجعل عيدنا سعيدا، وأن يعيد علينا رمضان أعواما عديدة، ونحن في حال أحسن من حالنا، وقد صلحت أحوالنا، وعزت أمتنا، وعادت إلى ربها عودة صادقة.. اللهم آمين.
      اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وارض اللهم على خلفائه الراشدين...

      1سورة النور (44).

      2 سورة البقرة (183).
      3 سورة الرعد (11).
      4 رواه البخاري برقم (1851)، ومسلم برقم (1304).
      5 رواه البخاري برقم (1874)، ومسلم برقم (1219).
      6سورة الحجر (99).
      7 رواه الترمذي برقم (1297).
      8سورة هود (112).
      9سورة فصلت (6).


      10 رواه أحمد برقم (14869).
      11سورة الذاريات (17).
      12 سورة إبراهيم (7).
      13 سورة البقرة (21).
      14 سورة النساء (82).
      15 سورة محمد (24-25).
      16 رواه البخاري برقم (1771)، ومسلم برقم (1944).
      17 رواه مسلم برقم (1984).

      19 سورة الأحزاب (56).


      منقول
    2. لحظة شروق
      20-06-2017, 11:43 PM

      رد: على عتابات رحيل رمضان

      على عتابات رحيل رمضان


      ماشاء الله


      موضوع قيم ومفيد


      يسعدني ان اكون اول من يرد علي موضوعك


      احسنت الاختيار
    3. الحلم
      21-06-2017, 01:50 AM

      رد: على عتابات رحيل رمضان

      على عتابات رحيل رمضان


      شكرا لمرورك الجميل
      الله يسعدك يارب

      اجمل تحيه لك