انا ومن بعدي الطوفان


يحكى أن جنكيز خان ملك ملوك التتار , كان أول من فكر بغزو بلاد الإسلام طمعا في ثرواتها و كنوزها .. فضلا عن كراهيته

للإسلام و المسلمين , و كان من عادته أن يرسل بعضا من الحكماء و المفكرين في قوافل تجارية بريئة المظهر , ظاهرها

تجاري و باطنها تجسسي ( دراسة انسب الطرق لغزو تلك البلاد ومعرفة أوضاعها العامة والمعيشية عن كثب ) ويقال انه أرسل

حكيمه المقرب إليه على رأس قافلة تجارية إلى حاضرة الخلافة الإسلامية - بغداد -

دهش الحكيم بهذه المدينة الرائعة , فلم تكن هناك بلد في الدنيا تشبه بغداد لا في عمرانها و لا تنظيمها و لا ثرواتها ..

إنها حقا عاصمة الدنيا . و صباحا .. و بعد أيام نزل السوق ليبيع و يشتري , دلف أول دكان في السوق و تبادل مع التاجر

التحية و أعطاه قائمة طلباته طالبا منه أن يعدها له , نظر التاجر البغدادي للقائمة الطويلة و دخل مخزنه ثم عاد بعد دقائق

حاملا كيسا من القماش , ناوله الكيس و القائمة .. تفضل يا سيدي , استغرب التتري هذا التصرف و قال :

- أين بقية الحاجات , أنت لم تعطني إلا بند واحدا من هذه الطلبات الكثيرة !!! تبسم البغدادي و أجابه بهدوء :

- لقد استفتحت منك يا سيدي و الحمد لله , لكن جاري قد فتح محله للتو , و أرجو منك أن تشتري من عنده , بضاعته

جيدة و لديه الكثير مما تطلب , كما أنه لم يبع حتى الان .

ذهب التتري للمحل المجاور , و تكرر معه الأمر و عرف في النهاية أن عليه أن يجوب السوق بأكمله ليشتري طلباته كلها

و بعد المغيب عاد إلى الخان و هو منهوك القوى , و عبثا حاول النوم و هو يحلل و يفسر ما حدث معه في السوق .

و في اليوم الثاني شد الرحال إلى بلاده مسرعا , و ما لبث أن وقف بين يدي جنكيز خان ليعرض عليه ما راه :

- سيدي ملك الملوك , أرى أن تعدل عن غزو بلاد الخلافة الإسلامية في بغداد , إنهم متحابين و مترابطين , أقوياء

بانتمائهم لدينهم و عقيدتهم , و نصيحتي يا سيدي أن تكتفي بمهاجمة ثغورهم القريبة منا , و هذا ما حصل , فالتاريخ يذكر

أن جنكيز خان قد غزا بخارى و سمرقند و خراسان , و طرد " خوارزم شاه " من مملكته و بسط سلطانه على أراضيها

الواسعة ..... و تمضي عقود و سنين , و يشعر جنكيز خان بقرب منيته , فيقسم مملكته إلى أربعة أقسام يضع على رأس

كل منها ولد من أولاده , و منهم طولاي خان الذي جعل له خراسان المحاذية لبلاد العراق , و يموت طولاي خان

و يعتلي العرش ابنه هولاكو الذي تربى في حضن جده و الذي أعجب أيما إعجاب في سيرة جده و بطولاته ....

و على نهجه أرسل هولاكو جواسيسه " التجار " لبغداد , و لما دخل أحدهم السوق جال بنظره ليختار أي دكان

يبدأ به . و سريعا , خرج من احد الدكاكين رجل تبدو عليه علامات الثراء .. أهلا و سهلا .. تفضل , و تأبط ذراعه

و سار معه لدكانه , أخرج التتري قائمة طلباته و أعطاها للتاجر البغدادي الذي قرأها بسرعة و وضعها في جيبه

فاركا يديه , و مرحبا بهذا الصيد الثمين .

- ستجد كل طلباتك بعد يومين محملة على الجمال خارج الأسوار , و لن أختلف معك بالسعر فأنا لدي أفضل

البضائع و بأرخص الأثمان . مط الرجل شفتيه مستغربا :

- ألديك كل هذه الطلبات . !!

- نعم كلها , أنا شاهبندر التجار , لن تجد عند غيري ما تجده عندي كما إني أوفر عليك عناء البحث , إضافة

لأني أحميك من العيار و الشطار الذين يملئون الأسواق , اذهب و استرح و تمتع بمعالم بغداد و دع لي الباقي .

و قد شاهد هؤلاء الجواسيس ما حصل أيامها في المدينة حيث يقول المؤرخون أن أهل السنة و الشيعة الذي يتألف

منهم جمهور البغداديين كانوا في نزاع مستمر و قد أدى نزاعهم لحروب و شدائد رائدها الجهل و الغفلة عن المصالح

و يذكر أن وزير الخليفة " ابن العلقمي " قد راسل هولاكو يحرضه على مهاجمة بغداد و يطمعه فيها , و سريعا عاد الجواسيس

لسيدهم : - لقد تفرقت الناس و النفوس يا سيدي , لم يعد الوضع كما كان , سيكون عليك سهلا غزو بغداد .

و فعلا ففي منتصف محرم من عام 656 ه سارت جحافل هولاكو و حاصرت المدينة , لم يدم الحصار أكثر من عشرة أيام

و سقطت بغداد ...... و شرع جنده في نهب المدينة و قتل معظم أهلها , و أسر خليفة المسلمين " المستعصم " و ما لبث أن قتل .

هكذا سقطت أسطورة بغداد و كسفت شمس الخلافة العباسية ............ و إلى أيامنا هذه مازالت جحافل هولاكو تسرح

في بلادنا شرقا و غربا ..طولا و عرضا .. تمعن القتل و التدمير و الخراب .

لم هذا الانكسار , و هذه المهانة و المذلة !!؟؟