الكلب لايكا وقصص أخرى

قصة قصيرة - قصه جميلة - اجمل قصص وحكايات قصيرة منوعة مفيدة ارسال إلى Twitter ارسال إلى facebook
  1. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:14 PM

    الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    كان من الصعب تمييز الكلب المدلل (لايكا) ولكن بإمكان المرء أن يخمّن من مظهره ومشيته أنه ألماني الأصل فهو صغير , طويل الجسم , قصير القوائم .
    كان (لايكا) قد حلّ ضيفاً على أسرة" ساري ال مطنوخ " منذ نحو سنة ونصف السنة فقط وتعرّف إلى أفراد الأسرة , وسرعان ما اتخذ لنفسه مقراً في حديقة المنزل , وعبّر بطريقته الخاصة عن ارتياحه التام إلى ذلك الموضع .
    ولسوء الحظ اضطرت أسرة ال مطنوخ للمغادرة إلى اليابان لنحو عام كامل على جناح السرعة فألقيت مسؤلية الاحتفاظ بالكلب لايكا على السائق النيجري (مزمل) .. وقد أعطت السيدة (نوف) 12000 ريالاً إلى السائق مزمّل , وقالت له : " لايكا يحبك كثيراً يا مزمل , لذلك من الأفضل أن يبقى معك , وقد أعطيتك هذا المبلغ , وإذا اضطررت إلى المزيد فاتصل بي , ولكن اعتن بالكلب جيداً وأحسّت السيدة (نوف) بغصة في حلقها وهي تودع الكلب لايكا ,, وقد رد عليها السائق الأمين مزمل قائلاً : عمتي نوف لاحاجة لأن تقلقي , فقد أكلت من عيشكم وملحكم سنوات , وليس كثيراً أن أرعى الكلب لأجلكم سنة واحدة .. وسرعان ما عرف (لايكا) الحقيقة المحزنة حين أخذ أفراد أسرة (ال مطنوخ) واحداً بعد اخر يربتون على ظهره مودّعين والدموع في العيون ..
    ولما وصل مزمل إلى بيته في حي الشميسي ربط "لايكا" إلى عمود في مدخل البيت وعندما رأته زوجته التكرونية (حليمة) صعقت , وكأنها رأت شبحاً ,, وبدأت تكيل له الشتائم , من غير انقطاع , وبألفاظ نابية .. وبعد أن هدأت عاصفة الشتائم قليلاً حاول (مزمل) توضيح الأمر بطريقة ملائمة , ولكن كل مرة تذهب محاولاته هباء , بهجوم مضاد , ولذلك لم يجد طريقة أخرى سوى أن يعرض عليها مبلغاً من المال قدره خمسة الاف ريال ,, عندئذٍ انقشعت العاصفة في لحظة واحدة وأسرعت حليمة إلى زوجها في مشية مرحة وخطفت منه المبلغ .
    ولقد حددت الخمسة الاف ريال قدَرَ (لايكا )بصورة نهائية , فقد تقرر وجوب بقائه مقيداً بالسلاسل في مدخل المنزل والاكتفاء بإطعامه مرتين في اليوم .
    وجبة الإفطار ستتألف مما يجمع من بقايا المائدة , وبالنسبة للعشاء فإن كسرة من الخبز ستكون كافية , فالجائع لايميز بين طعام جيد وطعام رديء , وهكذا نسي (لايكا) في وقت قصير جداً كل شيء عن قطعة البسكويت التي كان يلتهمها في الصباح , والأرز المطبوخ باللحم والمذرور عليه توابل عند الغداء , كما نسي قطعتي الخبز المغمستين بالحليب عند العشاء .
    وكان (مّزمل) يذهب إلى عمله في الصباح , ليعود منه في المساء , ولذلك فإن "لايكا" لم يُعط طعامه ولاشرابه في الأوقات المناسبة ,, وكان إذا ماقام بأي شيء طبيعي يتعلق بتكوينه الجسمي , ولو في المكان الذي هو مربوط فيه , فإن عليه أن يعاني من الضرب المبرح من قبل التكرونية حليمة , ثم أخذت تتركه من غير قيد , بعد أن يذهب زوجها مزّمل إلى عمله , فيغادر المنزل , ولايرجع إلا في وقت متأخر من الليل , وإذا ماعاتبها (مزمل) على ذلك , كان جوابها : وأين في إمكان الكلب أن يذهب ؟ فلابد له في النهاية من أن يعود إلى البيت فمن سيحتفظ بكلب ؟ ويقدم له أربع وجبات يومياً ؟ " , وفي مرات كثيرة كانت ترفع صوتها مؤكدة رأيها بحدة .
    وفي بعض الأحيان كان (لايكا) يقترب من (مزمل) لدى رجوعه من البيت , وربما داعب مزمل شعره الاخذ في الانحسار , فيلعق (لايكا)ا يدَ مزمل عرفاناً منه بالجميل , وشكراً له , ولكن هذا وحده كان كافياً ليصبح (مزمل) مضطراً إلى الاستحمام الكامل , من رأسه إلى قدميه , وكأنه قد ارتكب إثماً كبيراً .
    أصبح (لايكا) بعد ذلك لايرجع إلى البيت كل يوم , وإذا مارجع فإنه يرجع مرّة كل سبعة أو ثمانية أيام , وبذلك لم يعد أمر إطعامه وارداً , وأحست حليمة أنه قد فرّج عنها بتدبير (لايكا) طعامه بنفسه في الخارج , وكان (لايكا) قد أصبح هزيلاً وزال من الجذور معظم ماتبقى من فروه .
    وعند تلك المرحلة بالضبط كانت تجربة (لايكا) قد بدأت تختلف , إذ كان عليه أن يدبّر طعامه بمساعيه الخاصة وعليه أن يتشاجر مع الكلاب المشرّدة , وأن يبحث عن طعامه عند المطاعم , ومحلات بيع اللحوم .. وفي أحد الأيام وقع حادث عرضي بسيط وهو في الحقيقة ليس أكثر من حادث بسيط يعرض للكلب (لايكا) وهو يبحث عن الطعام , فعند تقاطع الطرق , وفي لحظة من عدم التنبه سقطت شريحة لحم من يد البائع , وقبل أن تصل الأرض استقرت بين فكي (لايكا) الرشيقتين .. وعلى الفور انصبت فوقه من أبريق شاي كمية وافية من الماء الحار اللاهب .. وبقدر من عدم الاحتمال رجع في ذلك اليوم بجسمه العليل إلى منزل (مزّمل) حيث مأواه القديم والتفّ على نفسه , ليرتاح بهدوء في الموضع المحدد له .. وفي صباح اليوم التالي لم يكن ماراه "مزمّل " وزوجته هو الكلب (لايكا) الذي يعرفانه .. كان كلباً هزيلاً جداً حتى إنه بالإمكان أن يمر من خلال السوار الذي في معصم زوجة (مزمل) , ومن مؤخرته ينتأ ذيل مثل إصبع عجوز عجفاء , وفوق هذا كله ثمّة رقعة على ظهره تشبه قارة اسيا , قد سُلخ الجلد فيها , وظهر اللحم الأحمر , وقد بدأ يتقيّح .
    وأحسّت حليمة زوجة مزمّل بشيء من الشفقة , فقالت يجب أن يؤخذ إلى طبيب بيطري , ثم مالبثت أن أضافت قائلة : ولكن من سيدفع أجرة الطبيب , وثمّة مجازفات كبيرة في علاجه , وهو بعد ذلك كله ليس بالكلب المطيع ".
    وكانت عدة اتصالات ورسائل من أسرة (ساري ال مطنوخ) قد وصلت من قبل , تتضمن تساؤلات قلقة عن الكلب , ولكنها لم تلق جواباً ,, أما اليوم فقد أرسلت على الفور رسالة بالبريد الممتاز إلى (اليابان) تعظّم نكبة (لايكا) وتطلب قدراً اخر من النقود .
    وفي الوقت الذي وصلت فيه النقود , لم يكن لايكا موجوداً في مدخل المنزل ينتظر العلاج فبعد الحادث بيوم واحد وقف على قوائمه الأربع الهزيلة ليبدأ مغامرةً أخرى , وكانت قد ذهبت محاولته عبثاً في لعق جراحه , إذ لم يتمكن من الوصول بلسانه إلى موضع الضرر في جسمه , وأخذ يطلق أنيناً محزناً .
    لقد حزن (لايكا) بصورة كلية لفقده صحبته لأسرة ال مطنوخ , وقد نشأ عند أفرادها في عيشة مترفة , ثم سلّم أمره بعد ذلك إلى أسرة (مزمّل) مع شعوره العميق بجرح الكبرياء , ولكن عندما أصبح يحوم في الطرقات أخذ يشعر أنه مخلوق غير مرغوب فيه في مدينة (الرياض) ولذلك فهو يقف عادةً بعيداً عن الناس , يترّقب وبصبر طويل ينتظر بقايا الأطعمة حتى تلقى , كما أخذ يشعر بكدر وانحراف في المزاج , ويحس بالخزي وكأنه (مالك الحزين) .
    إن اسمه لم يبق (لايكا) فلا أحد يدعوه به , فأحياناً هو مجرد كلب , وأحياناً هو كلب مشرد ... فقد رداء الفرو الناعم ولم يبق في جلده شعرة واحدة , وأصبح جسده ذا لون قرمزي قاتم ضارب إلى السواد , وبرز ذيله من مؤخرته مثل عصا قصيرة..لقد أصبح معزولاً فقد نبذه مجتمع الكلاب الضالة في مدينة الرياض ولمجرد رؤيته كان الأطفال يقذفونه بالحجارة ويلوّح الكبار بالعصي في وجهه والسيارات تكاد تدهسه لولا خوف أصحابها على سياراتهم أن يلحق بها ضرر
    وبعد أن طرد من مجتمع الكلاب المشرّدة , وهو مجتمع متحضّر نوعاً ما إتخذ (لايكا) لنفسه مأوى في ضواحي المدينة مع كلاب المقابر , وماهو في الحقيقة بمأوى , ولكنّه اضطر إليه , إذ كان عليه من أجل قدر ضئيل من الأرز أو بعض اللحم من جيفة أن يشتبك كل مرة في صراع منتظم مع مجتمع الكلاب المشرّدة بل بالأحرى مع مجرد رابطة كلاب جشعة وهو الذي كان يعرف (الأتكيت) والذوق والأساليب الراقية في منزل أسرة (ال مطنوخ)
    وفي تلك اللحظة بالضبط كانت (رذاذ) ابنة الشيخ ساري ال مطنوخ في اليابان تتذكر (لايكا) وهي تنظر إلى صورة له في مجموع صور , وفي تلك اللحظة كان مزّمل وزوجته حليمة التكرونية ماضيين إلى سوق (سويقه) لشراء فستان للتكرونية حليمة أما (لايكا) فكان يجري مقطوع النفس راكضاً على أقدامه الضعيفة المتعبة من أجل النجاة بحياته .
    تطوّر الوضع فلم يعد يعاني لايكا من عقدة وضاعة ماضيه القريب , فقد ترك المشية السريعة , وأخذ يمشي بهدوء متبختراً في طريقة متهادية , صهْ , من ذا الذي يستطيع فعل شيءٍ معه ؟
    إن دخول لايكا إلى أحياء وضواحي الرياض القديمة جعل جرس الإنذار يقرع في المدينة وبدأ تناقل الأقاويل " لقد جاء ذلك الكلب يوم أمس , وطارد ابني وبدلاً من أن تثرثر ربات البيوت (التكرونيات) في أوقات فراغهن عن البلدية وغلاء (الفصفص) أو حول أثوابهن وحليّهن , بدأن يتحدثن عن ذلك "الكلب" . وعلى نحو حاسم تمت البرهنة نهائية على أن كل أحياء مدينة الرياض القديمة كانت مفرطة الحساسية لحضوره .
    لقد بدأت تلك الأحياء شيئاً فشيئاً تتوجس خيفةً من (ذلك الكلب) الأجرد القرمزي الكريه المجنون . واضطر (لايكا) إلى إدخال استثناء على مشيته المتهادية في تبختر , عندما رأى كل (تكروني) يلقاه بعصا مرفوعة في وجهه ,وحتى الان لم يكن قد فقد قدرته على الجري , ولذلك فهو قادر على تحدي أي كلب مشرّد , بل على تحدي كلاب المقابر و(حمير القايلة)أيضاً حتى لو كانت أكبر من المعتاد . والمشكلة لم تتوقف عند هذا المستوى الفردي , فلقد أصبح " ذلك الكلب " سبباً عاماً للإقلاق , ولقد رفعت عروض وشكاوي إلى الجهات المختصة , وكان على موظفي وعمال البلدية الخروج لإلقاء القبض على (لايكا) حاملين هراوات منتهية بأنشوطات معدنية وعصي كهربائية , ولكن (لايكا) كان قد انطلق بسرعة الضوء , في بعض الأحيان كان يشق طريقه مباشرة إلى المواضع التي يصعب الوصول إليها , وفي أحيان أخرى كان يقفز فوق جدران التخوم العالية ويغيب , وأخيراً لم يتمكن المطاردون من العثور له على أثر .
    إنّ (لايكا) الذي كان قد أصبح تهديداً لكل (تكارنة ) الشميسي والسبالة والجرادية .. غدا اليوم تحدياً لبلدية الرياض .
    وفي يوم حاصره عدد من عمال البلدية , وركب مفتش الصحة بنفسه السيارة لمطاردته , ولم يكن ثمّة مهرب أمام (لايكا) فاندفع بكل قوة في سرعة سهم تحرر حشد من الناس على طرفي الطريق , ولم يكن أمام البائس (لايكا) مجال ليسلك طريقاً جانبية , فكان عليه أن يعدو باستقامتة , في هذا اليوم يجب أن يموت (ذلك الكلب) ولكن ذلك الكلب القرمزي الكريه كان يعدو مثل التماع البرق . في بعض الأحيان كان في الإمكان أن يُرى , وفي أحيان أخرى لم يكن في الإمكان ذلك وفي إثره سيارة البلدية تتعقبه في ضجيج وإذا بشاحنة أمامه , ولم تكن لدى (لايكا) المقدرة على التوقف فجأة , فاندفع مباشرة خلال الطريق , ومضى بين عجلات الشاحنة , وألصق جسمه بالأرض , مثل سحلية مثبتة على جدار , ومن خلال عجلات الشاحنة كان بالإمكان مشاهدة لسان طويل ممتد في جمود خارج فم (لايكا) .
    وقفت سيارة البلدية , ومضت الشاحنة , وكان (لايكا) لايزال هناك ممدداً . وفي وقت واحد علت في الحشد الذي تجمع أصوات الشفقة وأصوات أخرى تعبر عن الإحساس بالخلاص , ثم تفرق الحشد وغاب , وكان (لايكا) لايزال راقداً مثل سحلية أكبر من حجمها الطبيعي .
    وبعد قليل من الوقت رفع (لايكا) رأسه بهدوء , ونظر حوله بحذر , وببطء شديد غاب عن الأنظار .. وتنفست السبالة والشميسي والجرادية الصعداء , معبرة عن خلاصها كأنها نجت من هول وباء كان يقترب منها , وحتى اليوم لايزال سكان تلك الأحياء يتحدثون عن (لايكا) بعضهم يقول : مات لايكا في ذلك اليوم لأن الشاحنة مرّت من فوقه . والبعض الاخر يجادل مؤكداً أن (لايكا) مايزال حياً , وتدعي جماعة من تكارنة الشميسي رؤية (لايكا) في الحي . ولكن إلى الان لم نسمع بعد أحداً يسأل مثلاً : مالخطأ الذي ارتكبه (لايكا) ؟ ماذا فعل ؟ لماذا يشن (التكارنة) عليه مثل هذه الحرب؟
    وماعداي أنا , وربما في أكثر الاحتمالات (مزّمل ) , فلا أحد يعرف التاريخ الكامل والسيرة الذاتية لحياة (لايكا) .
    وأنا أسكن قريباً من أسرة ال مطنوخ , وتربطني بهم علاقة جوار . وفي يوم مغادرة الأسرة إلى اليابان ذهبت معهم إلى المطار لوادعهم , وكانت (رذاذ) تقف قريباً من (لايكا) وهي فتاة مرحة تتألق عيناها الخضراوان بالسعادة , ولكنها في ذلك اليوم كانت حزينة , وعندما ودعت (لايكا) انحدرت دمعتان من عينيها , وسقطت على أرض الاستراحة في المطار تبكي بكاء الثكلى على فقد الحبيب (لايك) وفي المطار رأيت (لايكا) يسير وراء التمساح (مزمّل) مثل طفلٍ خاضعٍ في بؤس .
    وبعد ذلك حين أمر بمنزل (مزمل) كنت أرى السلسلة الجرداء مربوطة بالعمود في مدخل منزله , وعلى الرغم من فضولي فإنني تجنبت الكلام مع (مزمّل) بخصوص (لايكا) وماذا بإمكانه أن يقول بعد ذلك كله ؟ّ! في أفضل الأحوال سيقول : " إن (لايكا) لم يرجع " وأنا صحفي , واستخلص قصة من أي حادث عارض هو جزء من حرفتي , وكان بإمكاني إعداد قصة مثيرة عن نهاية (لايكا) أو اختفائه الغامض , ولكن حرصاً على ألا تطالع (رذاذ) الرقيقة تلك القصة مصادفةً في اليابان من خلال تصفح مواقع النت , فقد أحجمت عن كتابة القصة ونشرها في الجريدة .
    وأنا أعلم أن (لايكا) لم يمت ولذلك تجاوزت السلسلة الجرداء في منزل (مزمل) وخطوت نحو ما هو أبعد من ذلك , إذ مضيت إلى المقابر للبحث عن (لايكا) من أجل عينيّ (رذاذ) ...
    وهنالك ميّزته من بين عدد من الكلاب البنية والسوداء والرقطاء , وهي جميعاً من الكلاب المشرّدة . ومثل سائر كلاب المقابر كان (لايكا) قد أصبح غير معني على الاطلاق بحضور أي إنسان وقد رأيته يحوم من غير هدف , وذيله يتأرجح وراءه , وقفت أتأمله وأنا أبكي كان لايزال يحافظ على لونه القرمزي القاتم الضارب إلى السواد , ولكنه فقد أذنه اليمنى , ومما لاشك فيه أن ذلك كان نتيجة حتمية للحرب التي خاضها مع رجال البلدية , وكان يظهر على جلده نوع من الجرب , يشبه في شكله وحجمه خريطة ناتئة مجسمة . وبعيداً عن الفضول ناديته وكنت بهذه الطريقة أدخل معه تجربة قاسية , وفجأة انتصبت أذنه ثم نظر في اتجاه النداء , ولكنه
    لم ير أحداً من أسرة ال مطنوخ , فراح يتشمم الأرض ونسي النداء باسمه وكأنه حلم مزعج .
    وفي لحظات فراغي , أو في ليالي الأرق كنت أذكر أحياناً (لايكا) , وفي أحيانٍ أخرى أستغرق في أحلام اليقظة متفكراً في (رذاذ) فأتخيلها وقد اشترت سيراً من جلد أفعى محلّى بالألماس من أسواق اليابان هديةً من أجل (لايكا) وإذا ما وصلت أسرة ال مطنوخ فإن الطريق إلى المنزل والتي لاتزيد عن ثلاثة أميال سوف تبدو بالنسبة إلى (رذاذ) ممتدة أميالاً وأميالا ثم تسرع إلى حي الشميسي القديم لترى السلسلة الجرداء و(مزمّل) الاثم , وعندئذ سينضح وجهها الجميل الأبيض بكل دمها ,, وربما توجّب علي أن أزور أسرة ال مطنوخ بعد بضعة أيام من وصولها
    وسألتقي ب (رذاذ) التي لابد أن تسألني عن الحبيب (لايكا) فلا أستطيع أن أقرر دوري في الأمر , هل أبقى صامتاً إزاء كل الحوادث المتعلقة بالكلب ؟ هل أوضح جلية الأمر أمام (رذاذ) لتعرف أن لايكا لايزال حياً ؟ ثم أقودها إلى المقابر .. مثل محقق في جريمة قتل يقود الشرطة لتكشف عن أداة الجريمة وموضعها ؟!
    رجعت إلى الواقع فأحسست بالذعر .. ماذا أقول ل (رذاذ) .؟؟!!
    النهاية
  2. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:17 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    (مجنون يتكلم )
    * 13 نيسان:
    اليوم اكتشفت شيئاً ما...لقد سمحو لي أن أتطلع في المراة داخل مكتب الدكتور خالد انني في الاربعين من عمري , يبدو ذلك واضحاً من وجهي وشعري.. لم اتمكن من التعرف على نفسي .. اقصد لم تكن ثمة علاقة بين ما رأيته في المراة , وهذه الذاكرة الخادعة التي امتلكها.. لكنّه شيء جميل أن يرى المرء وجهه , رغم أن وجهي يبدو اعتيادياً تماماً.. علي أن اعترف بأن اهتمامي بالقناني الجميلة المرتبة على رفوف الدكتور خالد أكبر من اهتمامي بوجهي .. كنت أريد هذه القناني .. أريدها وبشدة حتى إنه ليعتريني دوار في رأسي . لكنني لم أحاول أخذها لأنني شعرت بأن الدكتور خالد كان يراقبني عن كثب.. (انك تتحسن .. وقريباً سوف نترك لك ادراة المستشفى .. فيما عدا غرفة التهدئة
    بالطبع) .. قال لي ذلك الدكتور خالد وهو يقرص ذراعي مازحاً .. وأضاف(علينا أن نبقي هذه الغرفة صحية) كنتُ سعيداً .. قناني لطيفة مملوءة بالسم الجيد .. بعض هذه السموم تمكنت من التعرف عليه .. والبعض الاخر لايخطر في ذاكرتي.. بعد ذلك عدت الى الغرفة .. ابتسمت لي الممرضة عبير من خلف منضدتها واستلقيت أنا على السرير الأبيض وأخذت اراقبها .. إن لها عينين عميق غورهما وعندما أراها تزداد رغبتي إلى أن أعود طبيعياً .. غرفتي مدهونة بالوان هادئة والتأثير الكلي لها يدعو إلى النعاس .. انني على ثقة بانني لم أنم طويلا أو احلم كثيراً .. قناني .. قناني.. زملائي المرضى معظمهم طاعن في السن وهم إما بلهاء أو عديمو الوعي فيما عدا الرجل الملتحي , فهو معقول في المحادثة أحياناً..

    * 14 نيسان:

    لقد لاحظ الرجل ذو اللحية اني اراقبه وصاح في (وجع خيطان) .. إنه يجعلني في منتهى الغضب احياناً , وهو دائماً يردد هذه العبارة على مسامعي عندما يصاب بنوبة هياج .. ويؤخذ للتهدئة .. إنني اتساءل .. ماذا يعني بهذه الكلمة ؟ سوف اقلع عن كتابة مذكراتي بقية هذا اليوم .. إنّ الدكتور خالد يقول: إنّ كتابة المذكرات شيء جيد , لكنني أخشى أن يقرأها أحد .. وهذا ما سوف يغضبني.. والغضب الشديد يؤدي الى الهيجان ......... أحس بالنعاس الان.

    * 15نيسان :

    هذا اليوم حاولت دون جدوى مع الرجل ذي اللحية مرة أخرى أن لا يشرب بفيه مباشرة من الحنفية .. لكنه يرفض ... أظن أن لديه شكوكاً في أنني قمت بعمل شيء ما , لانه كان يرمقني بضغينة وكره ..

    * 16نيسان:
    ليس هناك شيء يمكن أن يفوت الدكتور خالد أو الممرضة عبير , أما الرجل ذو اللحية فقد أصبح حذراً أكثر من ذي قبل .. واليوم عند الضحى جلست في حديقة المستشفى .. ثم أحسست بحكة في رقبتي وظللت أحكها حتى تقرّحت وسال الدم .. ضحكت الممرضة عبير ضحكتها الباردة ووضعت المطهرات عليها .. لقد أخبرتني أن مستشفى الامراض العقلية هذا مستشفى خاص . ولا يستقبل غير الحالات الميئوس منها .. والذين سبق احتجازهم
    في اماكن أخرى لسنين عديدة قبل أن ينتقلوا إليها .. إذا كان ماقالته صحيحاً,
    فلماذا اذن أنا هنا؟!!.. عند الظهر قام الدكتور خالد بفحصي واستمع الى قلبي , قال : إنني في صحة جيدة .. ويبدو أن ذلك أسعده .. وعندما سألته فيما إذا كنت سأشفى تماماً راوغ في الاجابة وذلك ما أغضبني.. لقد تدبرت أن أخفي أية مظاهر خارجية لانفعالاتي.. وعندما عدت الى الغرفة جعلني الشعور بقنينة السم أكثر ارتياحاً..


    * 17نيسان:

    كان الرجل ذو اللحية يراقبني في سريره هذا الصباح .. كان يبدو ضعيفاً جداً لقد عانى من حالات هياج شديدة .. كنت في مكتب الدكتور خالد في وقت مبكر من هذا اليوم ونظرت في المراة .. لم أتعرّف على نفسي , أحس .. في بعض الأحيان أن رأسي قد انفلق وخرجت منه جميع المحتويات .. ليس هناك ألم .. لكن ليس ثمة مجال فيه للبحث عن الأشياء قبل برهة جربت شيئا من محتويات القنينة الجديدة التي أخذتها من مكتب الدكتور خالد , لكن دون جدوى مع أنني رأيت الممرضة عبير تشرب قدح الماء ..

    * 18 نيسان :
    علي أن أخفي هذه المذكرات انني أكاد أكون على ثقة من أنهم يقرأونها .. لقد أعادو الرجل الملتحي اليوم من غرفة التهدئة .. عيناه محمرتان وغائرتان وقد استمر يراقبني طيلة الصباح , وعندما تركتنا الممرضة عبير ..أشار إلي باصبعه بإلحاح .. لم يقل شيئاً . وإنما رفع لحيته عالياً وأشار الى عنقه , نظرت اليه لكنني لم أرشيئاً سوى بقع حمراء , وكأنما كان قد خدش نفسه بأظافره ..ثم قام يفتح هذه البقع بيد مرتعشة وانبجست منها قطرات دم وهو يضحك .. أدرت وجهي فمنظر الدم يقرفني.. تكلمت معه وجرى بيننا حوار وأخبرني بأنني سبق أن قتلت ثلاثة اشخاص.. وادعى أيضاً هذا الرجل الملتحي أن الدكتور خالد والممرضة عبير هما من مصاصي الدماء..!!

    * يوم بلا تاريخ :

    لقد عدت من غرفة التهدئة اليوم.. مريضاً , ضعيفاً ... أظنُ أحداً لم يجد القنينة التي اخفيتها .. تلك القنينة التي غدت فارغة حتى مستوى الجمجمة .. لم اخفها إلا لكي أثير غضب الرجل ذي اللحية .. إنني أتسائل لماذا يثير الدكتور خالد والممرضة عبير فيّ كل هذا الغضب ؟ .. أظن أن السبب أنهما يتحركان ويتحدثان أما أولئك الطاعنون في السن الذين لايتحركون ولايتحدثون فإنهم لايثيرون غضبي .. فيما عدا الرجل الملتحي فقد بدأ يضايقني كثيراً ..

    * يوم لا أتذكره.. لم يكن هناك شهر:

    الأحلام أخذت تزداد سوءاً .. أصبحت أكثر وضوحاً وحقيقة .. لقد حلمت أنني في مكتب الدكتور خالد وكنت أنظر إلى القناني الجميلة على الرفوف فيما كان الدكتور خالد والممرضة عبير يقران مذكراتي ويضحكان .. وكان الرجل ذو اللحية يواصل صراخه عليّ من بعيد .. لقد كان حلماً واقعياً غيرَ أني عيني لم تكونا تريدان أن تنفتحا.. وفي هذا الصباح عدت إلى فراشي .. وقضيت معظم الظهيرة مسترخياً .. حلمت بالقناني على الرف وبكفني .. وقال لي الرجل الملتحي إننا نستطيع.. نستطيع قتلهما يقصد الدكتور وعبير برصاصات فضية لكنّ فكرة القتل فكرة شنيعة لدي .. إنني في الواقع لا أؤمن بمثل هذه الأشياء.. لكن ماذا لو أن الملتحي كان على حق ؟ ماذا لو أن الدكتور خالد والممرضة عبير كان مصاصي دماء؟

    إنّ هذا المكان سيكون ملائماً لهما تماماً . فليس هناك تحريات عن أسباب الموت . ولا تحقيق , فالمرضى هنا منسيون من سنين مضت .. ولا أحد يسأل عنهم ! لكن الخطة معقدة .. سوف يكون علي أن استعين بالرجل الملتحي .. عليه أن يسرق الأشياء التي احتاجها .. فإذا كان الدكتور ..والممرضة يراقبانني ويضحكان عندما أسرق منهما , فسوف يكون من المجازفة لي أن أقوم بها ..

    * التاريخ الأول :

    بدأنا بالخطة هذا اليوم .. لقد تمكن الرجل ذو اللحية أن يسرق القنينة الكبيرة التي تحتوي على المحلول الملحي كذلك الأنبوب والأبرة التي تحقنه في الشرايين كما تمكن من تدبير أمور أخرى - فالمواد الكيماوية كانت هناك حيثُ وضعتُها حتى إنني أعرف اللون الصحيح للقنينة .. وما علينا سوى أن ننتظر الوقت المناسب ... ربما هذه الليلة ... سوف أخفي مذكراتي جيداً ...

    * يوم ليس من أيام الأسبوع :

    لم نتمكن من تدبير أمورنا .. إنني أشعر بالغليان في داخلي كما أشعر بالدوار ... وأنا أحاول أن افتعل الغضب والهياج ... الممرضة عبير تراقب من خلف منضدتها بنظرات حادة وعينين براقتين ... سوف يأخذوني إلى غرفة التهدئة ...

    * أيلول الفضي من العام 3333م :

    إنني مريض ... يبدو أن ليس هناك شيء يعمل في جوفي . والحرارة العالية وصلت إلى درجة أن عيني أخذت ترى بريقاً دون ظلال ... إنني في غرفة التهدئة . ولم أر كائناً حياً طيلة هذا اليوم .. لكنني استطيع أن اسمع الضحكة الخافتة للرجل الملتحي , ومرةً سمعته يصفق بيديه ... أظن أن الدكتور خالد والممرضة عبير قد ماتا ... يجب أنْ يموتا ... لقد وضعنا كلوريدا الفضية في المحلول الملحي ثم غرزت الإبرة في ذراعي , وتركت المحلول كله يندفع في الشريان إلى الداخل ... وعندما يبدأ اهتياجي سوف يقومان بامتصاص دمي .. لو تمكنت من الوقوف لرأيت أصبع قدم أنثى عند الباب ... لاستطيع رؤية الدكتور خالد ... يجب أن يكون الان في الردهة قرب الممرضة عبير ... ميتين من دمي المسموم ... دمي الرائع المعقد .. دمي الفضي ... مصاصا الدماء سيموتان من دمي ... !!!

    * أيلول الأحمر/ السنة ذاتها عقب خروجي من المستشفى :
    للقتل لذة , وفي ممارسته نشوة , أجل.. إنها لذة فائقة لاتضاهيها لذة ! فالقتل يُسكر كما تُسكر الخمر , ويُثمل كما تُثمل الصهباء .. وكل كائن يقتل ليعيش , ويعيش ليقتل ! فالوحش يقتل ليأكل والإنسان يقتل ليطمئن إلى البقاء .. والطفل تطربه الإبادة , ويستهويه القتل فيقتل متعمداً جذلاً مالايحصى من الحشرات والهوام والعصافير .. لكنّ هذا لايقلل من شهواتنا إلى إزهاق الأرواح ... فقتل الحيوان لايشفي الغليل ولا يُشبع الرغبةَ الجامحة المتوثبة الرعناء ... ولايُخمد النارَ ولا الأوارَ المتسعّر في قرارة النفوس والملتهب في أنابيب الشهوات ... لذلك أعلنا الحروب المبيدة فقُتلِت أممٌ بأسرها ونُحرت شعوبٌ برمتها .. واحتفلنا بالنصر .. ونصبنا للقادة القتلة أقواس النصر .. ونثرنا الأزهار في طريقهم .. نكرّمهم , ونخلّد أسماءهم ونعلّق الأوسمة على صدورهم.. القتل هو القانون .. ولامرية في أن القتل لذ ةُ النفس القصوى .. فواهاً لك ثم واهاً لو وضع أمامك كائن حي مفكر , لتثقب في جسده ثقباً ينبثق منه سائل أحمر اللون - هو الدم - هو الحياة .. ألم يقل الشاعر:

    من كان يكذبني أن الحياةَ منىً ×× فليس يكذبني أنّ الحياة دمُ

    لقد طغت علي هذه التجربة- بعد خروجي من المستشفى- مصاصَ دماءٍٍ محترف , وألحّت علي هذه الفكرة .. فكرة القتل فانهارت مقاومتي .. ثم أخذت عصفوراً من قفصه .. وسعيت به وهو في قبضتي إلى البيت فقطعت بالسكين عنقَه .. ففتح منقارَه ألماً , وكافحَ من أجل الحياة وانتفض محاولاً الإفلات .. فبهتُ وذهلتُ , وشعرتُ بشناعة ما أنا صانع .. وشعرتُ في تلك اللحظة أني قادرٌ على قتل كلبٍ عقور .. ! ولما رأيت الدم القاني يتحلب وينزّ تلذذت , وكما يفعل المجرم المحترف العريق في الإجرام , غسلت السكين وأزلتُ اثارَ الجريمة .. ثم حملت الضحية ودفنتها في حديقةٍ أزهرت فيها القبور وأقفرت منها الزهور ..

    * يوم مختزل:

    ينبغي أن أقتل إنساناً فهذا العصفور لايفي بالغرض .. إن القتل لأمر تافه .. لقد قصدت حياً من أحياء المدينة ولما اجتزت الشارع دخلت إحدى الأزقة المهجورة وفيما أنا أبحث وأتلفت , أبصرت غلاماً يلهو ويلعب .. ألقيت عليه تحية لطيفة مؤنسه كي لايفرق مني فخفق قلبه بشدة عجيبه وتهللت أسارير وجهه .. ووخزتني فكرة رهيبة .. هل أقتل ؟ أأقتل الغلام ؟! قلت له بلطف " هل تلعب هنا وحدك يا (شاطر) ؟ فأجابني بسذاجة : أجل لوحدي فدنوت منه متئداً , وقبضت بكلتا يدي على عنقه بغتةً , فانتفض الجسد الصغير واهتزّ كما تهتز ريشة تحت نار ملتهبة ! وما هي إلا دقيقة حتى فارق الحياة فطرحته وألقيت به في حاوية القمامة , وقفلت راجعاً فأقبلت على الطعام ألتهمه بشهية ! لكني لم أبصر دماً .. وبعد ذلك عثر الشرطة على جثة الغلام .. وفشل المحققون , ولم يتمكنوا من الوصول إلى القاتل ... أواه لو رأيتُ الدم يسيل من جسد ذلك الغلام لكنت أسعد إنسان ..

    * نهاية التاريخ :

    اليوم قتلت رجلاً ! ففيما كنت أمشي على شاطيء البحر , رأيت صياداً يستظل بظل استرقت النظر إليه , فألفيته نائماً وإلى جانبه معول قد غرسه في التراب .. خُيل لي أنّ الحظ يشده لي .. فاقتلعت المعول من مكانه وهجمت على النائم فأهويت به على أم رأسه .. فانفلق وتفجرّت منه الدماء الزكية , وسالت على الرمال كجدول صغير , واختلط بماء البحر ! .. أثارت الجريمة ضجة صاخبة وامتلأت الصحف بالخبر الأحمر , وحامت الشبهات حول ابن أخته الشاب ... ودافع الشاب عن نفسه .. وأقسم على صحة أقواله .. وأخيراً أقرّ المتهم بما نُسب إليه واعترف بما جنى واقترف ! أكرهوه على الاعتراف ... ولاريب أنهم أفقدوه عقلَه .. وهاأنا قد قضيت على الصيّاد والفتى شعرتُ بالرضى والسرور ومازلت أتوق إلى تكرار القتل لإمارس هوايتي المفضلة وأكتشف قدراتي الهائلة
  3. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:19 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    1- دع القلق وابدأ الحياة "
    الرحيل نحو مدينة الديمومة والخلود .. أم الانسحاق وارتداء الكفن لعرس جنائزي .. قال أبي باكتئاب :
    - لم تعد كما كنت يابني
    قلت له وأنا أسند رأسي على الحائط بحزن :
    - حتى ولا أنت ياوالدي
    تمتمت أمي :
    - هذا حال الدنيا
    ثم أخذت تسعل .. وبعد أيام لم أرهما على الإطلاق . إلا أثناء الحلم .. أرحل لهما وفي الصباح أغمغم :
    - ياله من حزن .. كل شيء يتغير ..
    في العصر صديقي بعد أن يتصل بي.. يضغط زر منبه سيارته بنفاذ صبر .. وننطلق إلى مرتفع جبلي .. نحتسي الشاي ونحدّق في النخيل والسهول وبقايا الحواجز والجدران الطينية القديمة .. ثم نعود
    ذات ليلة عدت للمنزل لأنام .. نمت .. سمعت وسوسة في البيت .. هرعت للغرف أفتشها .. ثم وجدت أمي وأبي في إحداها بكفنيهما يحتسيان القهوة في العتمة .. لمحاني بنظرة عابرة .. ضحكا .. ثم اختفيا ..
    وموسيقى حانية تبكي في الظلمات .. وأنتبه لأجد نفسي نائماً في الحمام - فكرت في الحلم بدهشة وكيف جئت إلى هنا في هذا المكان قلت : لعل الكوابيس قادتني دون إرادة ووعي .. عدت لأحاول النوم .. لكني لبثت أفكر في أبويّ المكفنين الضاحكين ..
    أمست ليلتي نابغية ..
    أخرجت كتاباً من درج مكتبي إسمه (دع القلق وابدأ الحياة) أمضيت معه باقي ليلتي أقرأ وأضحك .

    2 مقبرة النساء الجماعية
    زوجتي الأولى أصابها السرطان فماتت !
    الثانية كانت حاملاً وأثناء الولادة أصيبت بنزيف حاد ففارقت الحياة !
    الثالثة .. أصرت على الذهاب مع أهلها إلى مدينة أبها لقضاء إجازة الصيف وفي الطريق تعرضت سيارتهم لحادث شنيع أدى إلى موتها بينما نجا بقية أفراد أسرتها بأعجوبة !
    من يومها قالوا عني (مقبرة النساء)
    لم تقبل بي واحدة من نساء القرية .. صرن يتشاءمن وجودي .. أصبح اسمي مرادفاً لاسم عزرائيل !!
    واحدة داهمتها الحمى الشوكية فماتت .. أشيع في القرية إني مررت ليلتها بمنزلهم .
    ثانية .. أفاق أهلها في الصباح .. وجدوها جثة هامدة .. قالوا : لاشك أنها رأتني في المنام !
    ثالثة .. أجهضت .. لأنها سمعت عن اسمي ! !
    امرأة واحدة فقط دميمة يخشاها الموت .. تحدت عزرائيل .. ومقبرتي .. أصرت على أن تتزوجني !
    تزوجتها .. أنجبت لي دستة من القرود .. أقصد من الأولاد ,, والبنات .
    داهم مرض الطاعون القرية .. مات ثلثا نساء القرية .. لكن زوجتي اللعينة .. لم تمت !!
    3- رهف "
    قال لها عبر الإنترنت: أحبك يا حلوة. أجابته: كيف تعرف أنني حلوة؟ أنت لم ترني . قالت أيضاً : كيف تحبني دون أن تعرفني؟ كيف أعرف أنك صادق لا تخدعني؟ أعجب بذكائها ونضجها، قال لنفسه: هذه الفتاة تصلح للزواج. قالت له: إن عمرها عشرون عاما، وأنها شقراء، وعيناها خضراوان، رائعة الجمال، تدرس في كلية الاداب، ولديها هاتف جوال ، واسمها رهف، أرسل لها صورته، أعادتها إليه بعد أن رسمت له قرنين مع عبارة( أنت شيطان)، قال لنفسه هذه الفتاة مرحة .. . بعد زمن اتفقا على اللقاء عند باب حديقة قريبة من منزلها. فوجئ باقتراب طفلة في العاشرة من عمرها منه، قالت له ضاحكة: أنا رهف كنت أمزح معك، ما أغباكم أيها الشباب! وما أتفه عقولكم !

    3- السر الكبيرر (التافه)
    في أحد مواقع الحوار عبر الإنترنت كتبتْ رقم ثلاثة الاف قرب اسمها ، سألوها كثيرا عن سر هذا الرقم ، كل مرة كان الجواب مختلفا . مرة قالت: لدي ثلاثة الاف معجب، مرة أخرى قالت: حطمت قلوب ثلاثة الاف رجل، قالت أيضا: قتلت ثلاثة الاف صرصور، أو: أملك ثلاثة الاف سهماً في سابك .....تعرضت لثلاثة الاف كارثة ….. سأرسل ثلاثة الاف تحية … كانوا يدهشون، وكانت تضحك، مرة واحدة فقط قالت الحقيقة: أن هذا الرقم يعني الألفية الثالثة.
    4- اللاهث "
    كان يركض لاهثاً خلف تلك المرأة الحلم ، والشارع مكتظ بالمارة ، وعندما استطاع اللحاق بها وجد نفسه يركض خلف زوجته .!!0
    5- حصاد الكتابة :
    الورقة بيضاء ناصعة
    قال لها : سأزرع فيك كرياتي البيضاء والحمراء
    قالت : لن تحصد سوى الموت السريع .

    6- شخير :
    أمضى حياته يصول ويجول على المنابر داعياً :
    تنبهوا واستفيقوا أيها العرب …..
    وعندما سرق النوم أجفانهم ….كان أعلاهم شخيراً…!!
    7- الرسام :
    عندما تقدم لخطبتها رسم لها الدنيا بألوان قوس قزح
    وعندما تزوجا...
    خيم ليل بارد وطويل
    فقد المسكين قدرته على الرسم ….!

    8- رجلان :
    حوّل (الرجل الأول) أمواله إلى كتب وأفكار سعيدة ناجحة, ثم أودعها في رأس أبنائه, بينما حوّل (الرجل الثاني) أمواله إلى ذهب أصفر وأوراق نقدية جميلة, بعدئذ حشرها في أحد البنوك الخاصة ووضع المفتاح القدير في جيبه الدافئ.
    وذات يوم, سرق اللصوص الأذكياء أموال الرجل الثاني, بينما كان ابن الرجل الأول محامياً ذكياً واثقاً يحاول استرجاع المبالغ المسروقة لرجل مغبون يقف وسط أبنائه الأغبياء وهو يجهش بالبكاء!!."

    9- ليلى والخليفة :
    «قال الخليفة لليلى: أحقاً هذا هو أنتِ التي اضحى المجنون بحبك مضطرباً ضالاً؟!إنك لا تزيدين شيئاً عن باقي الحسناوات!
    أجابت: صه يا هذا! إنّك لست المجنون.»

    10- القلم :
    رميت أناملي على " كيبورد الكمبيوتر " أريد أن أكتب .. فجأة سمعت بكاءً صامتاً من القلم المدفون في الأدراج ..

    11- إحراج :

    الاول: لقد اثرت غضبَ الخنزير
    الثاني: لماذا.. ماذا فعلت؟
    الاول: قلت له إنه خنزير!

    12- استسلام :
    هبط الطير على كلبٍ مفترس , ومضى ينقرُ في عينيه طويلاً , لكنّ الكلب استسلم للطير ولم ينهض .. كان الكلب قتيلاً .

    13- فلسفة الحب :
    قال لها : تمتزج الينابيع بالأنهار , والأنهار بالبحار , رياح السماء تمتزج إلى الأبد في انفعال جميل .. الجبال تعانق السماء .. لاشيء في العالم منفرد .
    لماذا أنا وأنتِ لسنا كذلك ؟

    14- الصبي الأعمى :
    اه قل لي : ماذلك الشيء المسمى (نور) .. إنك تتحدث ياصديقي عن أشياء مدهشة
    تقول : الشمس تشرق ساطعةً ..
    - أجل ألا تشعر بدفئها
    - أتصنع النهار أم الليل ؟
    - النهار
    - نهاري وليلي أصنعه أنا بنفسي .. عندما أبقى يقظاً يكون النهار معي دائماً .

    15- مايشغل بال الملكة :
    قالت الملكة للوصيفة المتبرجة : شطفي المرايا جيداًُ ربما يأتي الخريف بعد أيام قليلة.

    16- حصن :
    كلما مددت يدي لأقطف عنقوداً ارتفعت الشجرة , وكلما مددت يدي لامرأة اضطربت ,
    وكلما كتبت شعراً قال لي غيري اصمت !
    لأجل هذا ابتنيتُ حصناً .. ذات يوم جاء حوذي وكتب على الجدار : تحت الإنشاء
    انشق الحصن نصفين : نصفاً للشعر , ونصفاً للهذيان .

    17- العام الماضي :
    تعودت أن أذهب كلّ مساء إلى حدائق الزهور .. اجلس أتصفح مجلةً أو كتاباً .. وحين تجلس سيدة بقربي أتظاهر بعدم الاكتراث
    ذات مساء أثناء انعقاد مؤتمر للزهور المجففة جلس قربي كلب - أعطاني صفعة قوية وذهب يقهقه منتصراً


    18- العمل "
    كنت اصحو عادة متأخرا عن عملي ، كثيرا ما كنت اتثاقل من الصحو مبكرا،
    في يوم من الايام وعلى غير عادتي صحوت مبكرا ونشيطا ، ذهبت الى العمل فلم اجد احدا هناك ،
    انتظرت نصف ساعه ثم ساعه فلم يأتي أحد
    عندها تذكرت أن اليوم هو الخميس !!

    19- الأعمى :
    سأل ضرير مبصراً
    - مالون الحليب ؟
    قال المبصر :
    - الحليب ؟ لونه بلون الورق الأبيض
    - قال الأعمى : إذن فله صوت الورق الأبيض عندما نفركه ؟
    - لا , الحليب أبيض كالطحين .
    - إذن هو ناعم الملمس , ويتفتت بين الأصابع كالطحين ؟
    - لا , إنه أبيض لا أكثر , كالأرنب القطبي .
    - إذن هو ناعم كفروة الأرنب ؟
    - لا , اللون الأبيض هو بالضبط لون الثلج
    - إذن هو بارد كالثلج ..
    وحاول عبثاً أن يضرب أمثلةً أخرى ؛ ولكن الأعمى عجز أن يتصوّر مايمكن أن يكون عليه لون الحليب الأبيض .

    20-

    قال ملكٌ عليلٌ ذات يوم :
    - من شفاني من مرضي أعطيته نصفَ مملكتي
    اجتمع كل الأطباء , وبحثوا عن وسيلة لشفاء الملك .. قال أحدهم : ليس له علاج إلا أن يرتدي قميصَ رجلٍ سعيد..!
    بحث الجنود في المملكة كلها عن رجلٍ سعيد ؛ لكنهم لم يعثروا عليه . لم يلاقوا إنساناً راضياً قانعاً بما أعطاه الله .. فواحد غني لكن امرأته سيئة .. واخر يشكو من أطفاله الشريرين , وثالث يشكو من غذابٍ ما ..
    وفي طريقهم إلى العودة مروا ببيتٍ صغير فسمعوا كلاماً . . كان صاحب البيت يقول :
    - الحمدلله ! اليوم أكلت ُ وشبعتُ .. وسوف أنام معافىً في بدني .. ماذا أكثر من ذلك؟
    أمرَ قائدُ الجند , وقد تملّكه الفرح , أن يؤخذ قميص هذا الرجل , كي يحمل قميصه إلى الملك .. دخل الجند على الرجل السعيد ليأخذوا منه قميصه .. لكنه كان فقيراً جداً لدرجة أنه لم يكن لديه قميص .

    21- المعروف "

    طارد صيادون ذئباً . اصطدم الذئب وهو يعدو بفلاح كان يحمل مدّقةً وكيس .
    قال الذئب :
    - أيها الرجل , خبئني هناك من يطاردني .
    أشفق الفلاح عليه وخبأه في الكيس .. ولما وصل الصيادون سألوا الفلاح :
    - هل رأيت الذئب ؟
    - لم أر ذئباً
    وانصرفوا , فوثب الذئب من الكيس وأراد أن يفترس الفلاح .
    - ياذئب , لقد أنقذتك وتريد أن تفترسني .
    فرد عليه الذئب
    - المعروف سرعان مايُنسى
    -كلا , اسأل الناس يقولون لك إن المعروف الذي أسدي إليك لايُنسى
    اقترح الذئب :
    - لنمض في طريقنا معاً ونسأل أول عابر طريق فإذا قال : لاينسى تركتك , وإن قال : ينسى بسرعة .. التهمتك .
    صادفا حماراً , مارأيك : هل ينسى المعروف ؟
    أجاب الحمار :
    - لقد خدمت أناساً عشرة أعوام , دون أن أكفّ عن النقل والحمل , والحراثة .. ولما فقدتُ بصري جعلوني أطحن الحبوب , وذات يوم لم أعد احتمل الدوران ..
    فسحبوني بذيلي إلى الوادي وقذفوني فيه ..
    قال الذئب : أرأيت كيف يُنسى المعروف يارجل !
    أجاب الفلاح : انتظر , لنسأل أيضاً .
    وجدوا على طريقهم كلباً , هل يُنسى المعروف ؟
    قال : عشتُ عند صاحبي خمسة عشر عاماً .. حرست فيها البيت , ونبحت في الوقت المناسب .. وهجمت لأعضّ . لكني كبرت فسقطت أسناني , فطردوني من المزرعة .. وأوسعوني ضرباً بالعصا ..
    قال الذئب : هل سمعت ؟
    قال الفلاح انتظر قليلاً .. هاهو الثعلب هيا بنا لنسأله :
    - ياثعلب , مارأيك هل يُنسى بسرعة المعروف الذي يسدى إلينا ؟
    - قال الثعلب ... لمَ هذا السؤال ؟
    قال الفلاح : هذا الذئب كان هارباً من الصيادين . توسّل إليّ فخبأته في هذا الكيس
    وهو يريد أن يأكلني , في هذه الساعة
    قال الثعلب : (قم بس قم) ذئب كبير في هذا الكيس الصغير ! قل هذا لغيري !
    - بلى إنه يدخل بكامله في الكيس
    قال الذئب : هذا صحيح
    قال الثعلب حينئذ : أرني كيف فعلتَ ذلك
    أدخلَ الذئبُ رأسه إلى الكيس . وقال : هكذا فعلت ُ
    قال الثعلب : ادخل بكاملك لنرى ذلك جيداً .
    دخل الذئب بكامله في الكيس وبسرعة قال الثعلب للفلاح :
    - الان اربط الكيس ربطةً محكمة .
    ربط الفلاح الكيس بحبل فقال الثعلب :
    - يا فلاح .. دقّ رأس الذئب كما تدق القمح على البيدر ..
    سُرّ الفلاح كثيراً , وأخذ مدقته ودقّ الذئب حتى هلك وفارق الحياة
    التفت الفلاحُ إلى الثعلب وقال له :
    - هل تريد أن تعرف كيف أدقّ القمح على البيدر . وضربه الفلاح بالمدقة ضربة قاضية مات منها الثعلب أيضاً . قال الفلاح في نفسه : من المؤكد أن المعروف الذي يُسدى إلينا سرعان مايُنسى .







    --------------------------------------------------------------------------------
  4. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:21 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    (من بخارى إلى أفغانستان)
    كنت في الثانية عشرة من عمري عندما امتدت يد روسيا الحمراء إلى بخارى مسقط رأسي . كان الروس يستولون على القرى قرية بعد قرية ولم أكن أفهم شيئاً ممايجري إنما كنت لاأستطيع الخروج من البيت خوفاً إذا سمعت كلمة (روسي)
    جاء الروس بعد ذلك بسنة قريباً من قريتنا . وصل بعض الفرسان المسلمين على خيولهم ليقولوا لنا إنّ الروس في الطريق إليكم . جمع والدي في تلك الليلة كل أهل القرية في الجامع ووقف فيهم خطيباً وقال لهم : استعدوا للحرب ! إن الروس الظالمين في طريقهم إلى قريتنا ولابد أن نقاتلهم بالحجارة والعصي .. أقسم الجميع على الجهاد ثم عادوا من حيث أتوا . وفي اليوم التالي أطلق الروس علينا النيران . حاربناهم رجالاً ونساء . ولأن قريتنا هي القرية الوحيدة فقد أسرونا . عذبونا . وتركونا جوعى عطشى . أخرجوا فتيات القرية وأخذوهن . أخذوا أيضاً أختي الكبرى وكانت شابة . كانوا يجرونها من شعرها فتتلوى . لاأدري ماحدث لأختي المسكينة ربما ماتت .. وذات يوم قام الروس بدفعنا إلى الطريق .. سرنا عدة أيام كنا جوعى متعبين منهكين .. وكانت أمي مشغولة بمتابعتي أنا وإخوتي الصغار .. تقسّم علينا -خفيةً - الطعام الذي كانت تخبئه .. وبعد أيام أحضرونا إلى طريق مفروش بالحديد . كان على هذا الطريق شيء مؤلف من غرف مظلمة طويلة مثل الثعبان بعضها خلف بعض سألت والدي : (ماهذا؟) قال " قطار" وقال لي : يبدو أنهم ينفوننا إلى سيبريا
    مات منا كثير .. دفعونا بقوة جماعات إلى القطار . لا أدري كم يوماً بقينا في عربة القطار .. كانت أمي تعطينا شيئاً في أفواهنا وهي منهكة جائعة . ولما فتحت أبواب القطار أنزلونا من عربات القطار وهم يدفعوننا بقوة بمؤخرات بنادقهم ورشاشاتهم .. المكان صحراء لانهاية لها . كلها تلال .. ربطوا الرجال من أيديهم لكنهم تركونا لأننا صغار .. وركبوا القطار وأغلقوا الأبواب . وأخذ واحد منهم يطلق الرصاص علينا من عربة القطار . يالله.!! ماذا يحدث ؟ ! تحولت الصحراء في تلك اللحظة إلى بحر من الدماء . والروس يطلقون النار على الذين بقوا أحياء . الجري والصراخ والعويل . وبين كل هذا أخذتُ أنا أيضاً أجري .
    في ذلك الزحام عبرت أنا من تحت القطار قضيت فترة طويلة أزحف حبواً واختبأت بين عربتي قطار . مضت ساعة . واختفت الأصوات . لكن المكان كان ممتلئاً برائحة الدم . وفجأةً تحرك القطار وظللتُ مختبأ بين العربتين وعندما توقف القطار بالقرب من إحدى القرى قفزت منه ودخلت تحته وقضيت ليلتي هناك . ولم أكن استطيع التفوه بكلمة ولاصوت .
    وقبيل الصبح خرجت من تحت القطار وأخذت في الجري نحو القرية . راني رجل فجرى خلفي . وعندما رأيته أخذت أجري بسرعة أكبر وأنا أبكي . وفي إحدى المنعطفات أمسك بي ومن شدة خوفي أخذت أبكي بسرعة أكبر وبحرقةٍ أشد .. قال لي متسائلاً (لماذا تبكي ؟ من أين أنت ؟) وعندما لم يحصل مني على إيجابة مسح رأسي بيده وأمسك بيدي وأدخلني بيته وقدّم لي الطعام فأكلت حتى شبعت .
    حكيتُ له الحكاية قال لي : إن الروس قد وصلوا هنا أيضاً . كنت سأهرب في هذه الليلة مع زوجتي ولكن سنأخذك معنا إلى مكانٍ ما . تعال معنا " وفي تلك الليلة خرجنا إلى طريقنا مشينا عدة أيام من طرق خفية وعندما وصلنا إلى إحدى القرى بعد ثلاثة أيام قال لي : سنفترق هنا . دبّر نفسك وفكر في أمرك . وتركاني .
    دخلت القرية ولم أجد بها أحداً . القرية مهجورة . تلك المرأة الطيبة أعطتني خبزاً ونحن في الطريق لكي اكله . أسير بمفردي هذه المرة . لا أدري أين أنا ولا إلى أين اذهب . وصلت إلى ضفة نهر . سرت على ساحله . رأيت قطيعاًً أمامي . عرفتُ بعد اقترابي منه أنه قطيع خنازير نهض الراعي وكان يرقد على الأرض تحت الشمس . وعندما راني وقف . اقتربت منه وأنا حذر . أشار إليّ أن اقترب منه . اقتربت وجلستُ بجانبه قال لي : من أين أنت يابني ؟ ولماذا جئت هنا ؟ "
    حكيت له ما حلّ بي وأنا أبكي وأنتحب . اغرورقت عينا الراعي بالدموع . قال وهو يتنهد حزناً " اه ياولدي ! هل حلّ بك هذا أنت فقط ؟ إنهم دفنوا كل أفراد أسرتي أحياء . ووجدت الحل في أن أسلم لهم نفسي وهاأنا كما ترى . يعطونني لقمة من الخبز في مقابل أن أرعى هذا القطيع القذر . هناك مركز حدود روسي خلف ذلك التل . الحمدلله أنك لم تذهب إلى هناك . إبق معي وسنقتسم مانجده . أخبئك حتى لايعرفوا أمرك . والمكان هنا هادىء حالياً "
    أقمتُ مع الراعي أسوق في ساعات الصباح المبكرة هذا القطيع النجس حتى النهر , وأعود به في المساء نفسي لاتطاوعني في السير مع هذا القطيع إني اشمئز من الخنازير
    وكما يحدث في كل يوم اتمدد في اتجاه ساحل النهر وأترك الخنازير ترعى . وفجأة تراءت أمي أمام عيني . كانت تشير لي بيدها وهي في حجابها الأسود أن ((تعال)) . كنت في نومي مع أسرتي في منطقةٍ أخرى لا أعرفها . كنت أرى أختي الكبرى تضمني إلى صدرها وتقول : نجونا ! لاتخف ستنجو أنت أيضاً وكنت أرى حولنا رجالاً معممين . نهضت واثباً من النوم بتأثير الرؤيا وأنا أبكي وأبكي وأبكي .. وأنتحب في ذلك المكان الخالي . نظرت إلى حافة النهر المقابلة ما أجملها مليئة بالخضرة خطر ببالي ماشرحه لي الراعي ذات يوم . كان قد قال لي : " تلك الحافة المقابلة هي ولاية "بدخشان " الأفغانية أتعرف أن هناك أرزاً ؟! . عندما يحضرون إلى لاصطياد السمك كنت أراهم ولمراتٍ عديدة في النهر .. إنهم أحرار لايأمرهم أحد قط . يفعلون مايودون . طوبى لهم "
    عندما استعدت هذه الكلمات مرة أخرى في ذهني نظرت إلى أفغانستان طويلاً . ليتني أنا أيضاً استطيع الذهاب إلى هناك ! .. ولكن كيف لي بالذهاب ؟ بيني وبين أفغانستان نهر . والنهر عميق . ولا أجيد السباحة ..

    هكذا كنت أفكر . وفجأة ! ماهذا يا إلهي ! أين القطيع ؟! ليس هنك خنزير واحد .. جريتُ هنا وهناك أبحث . ولكن لا أثر للخنازير . وتعبت من البحث . كنتُ خائفاً . ماذا سأقول للراعي ؟ مع أنه في كل مرة يأتي فيها يقول لي (انتبه يابني ! ما أسوأ حالنا لوفقدنا واحداً من هذا القطيع النجس ! لن يرحمنا الظالمون بعد ذلك . كما أننا أسرى عندهم !
    جلستُ أرضاً وأخذت أفكر . ماذا عساي أن أفعل ؟ بكيتُ وبينما كنت أبكي نمت . وإذا بأمي وأسرتي مرةً أخرى . ومرةً أخرى استيقظت من النوم هلعاً . كان الوقتُ عصراً جريتُ أبحث عن القطيع . ولم أستطع أن أصدق عيني . لاح خنزير أمامي فجريت بسرعة لأرى القطيع وأنا فرح سعيد
    نظرت إلى قذارتها يبدو أنها كانت تخوض في الوحل .. ونظرت من قريب : أرز !! وأخذت أصيح قائلاً : أرز !! .. أرز.. !! التفت خلفي ونظرت إلى أفغانستان وكأنها فتحت لي ذراعيها .. معنى ذلك أن هذا القطيع النجس قد عبر النهر وأنا نائم لكي يأكل الأرز ثم عاد .
    وسريعاً توضأت وصليت . ولفني السكون واتجهت إلى الله أدعوه مخلصاً أن يحقق لي رؤياي . لم أنم طول هذه الليلة . كنت أفكر في أفغانستان . أتقلب على هذا الجنب وذاك حتى أصبح الصبح .. ومرةً أخرى توجهت إلى ربي عزوجل وأخذت في التوسل إليه . أخذت القطيع أمامي وذهبت إلى المكان نفسه . وكان نور الشمس قد أضاء المكان جيداً . تظاهرت بالنوم . وبعد نصف ساعة جاء خنزير وأخذ يشمني حبستُ أنفاسي . وبعد قليل ألقى هذا الخنزير نفسه إلى النهر . نعم! الخنزير يجتاز النهر سابحاً إلى الضفة الأخرى . رأيته وهو يدخل بين الحقول . صحت بفرحة شديدة : شكراً لله ! لقد نجوت . نجوت ..! "
    راقبتُ الخنزير ثلاثة أيام أو أربعة .. وذات يوم خرجت مع القطيع وأنا أدعو الله ودعوت أيضاً للراعي المسكين من كل قلبي , واتخذت قراري ؛ سأهرب اليوم إن شاء الله . تمددت على الأرض .. وتظاهرت بالنوم . وبعد قليل جاء الخنزير نفسه يشمني , وعندما أوشك على الهرب أمسكت برقبته وهو بجانب ضفة النهر تماماً وركبتُ على ظهره وهو يحاول التخلص مني . وأخيراً استسلم وألقى بنفسه إلى النهر وأنا عليه . كنت خائفاً . أغلقت عينيّ وقبضت على رقبة الخنزير بكل قواي . ومرةً أخرى حاول الخنزير التخلص مني . ولكن يديّ كانتا قد أقفلتا على رقبته . وبفرحة فتحت عيني . لقد اقتربنا من الضفة الأخرى للنهر . نظرت إلى الخلف هاهي ذي الضفة الروسية من النهر قد بعدت عني جداً . كنت أبكي فرحاً . سكن الخنزير . وأخير وصلنا إلى الضفة . وبسرعة وثبت من على ظهر الخنزير ودخلت في المياه . الماء الان يصل إلى ركبتي . كنت أجري وأجري . دخلت حقول الأرز . كان الخنزير يجري ورائي .. وفي هذه الحقول غير المتناهية , الخضراء أخذ المطر يمطر خفيفاً فتوقفت . وعنما راني الخنزير أقف توقف بدوره هو أيضاً .. أخذت أتفرج عليه وهو يأكل . أكل كثيراً.. ثم وقف وانتظر . يبدو أنه لايريد العودة بدوني .. اقترب الظهر واصلت المسير والخنزير يسير معي . فكرت كيف أتخلص منه .
    خرجتُ من الحقول واتجهت جارياً نحو تلٍّ واختبأت خلف حجرٍ ضخم . بدأ الخنزير في الصياح في أسفل الحقول . أخذ يجري بعد أن أكل من الأرز مرةً أخرى . قمت من مختبئي ووقفت . وأخذت أنظر إليه وهو يجري وسعدت بذهابه .
    وبعد قليل وصل إلى مسمعي أصوات ضحكات . صعدت إلى التل زاحفاً . كان يجلس على الأرض على شكل حلقة مايقرب من عشرة أطفال أو أكثر يصفقون بأيديهم ثم يتصارعون ويتدافعون . دهشت جداً لأنهم سعداء كثيراً . لأول مرة منذ شهور أرى أطفالاً في سني وأسمع ضحكاتهم . كان في أيدي بعضهم أشياء يأكلونها .. أخذت أراقبهم من التل الذي اختبأت فيه إلى وقت العصر ولم أكن أفهم شيئاً ممايقولون .
    وأخيراً وقفوا وأخذوا يسيرون إلى أعلى وهم يضحكون . ولما ابتعدوا عني نزلت جرياً .. أخذت أتتبعهم
    من حيث لايرونني .. وأسير خلفهم . رأيت فتيات يحملن في أيديهن أواني الماء . أختبأت خلف شجرة . وعندما بدأ الجو يظلم كنت أنتظر هناك وأنا في غاية الجوع والعطش . كان الناس سعداء كما أنهم كانوا كثيرين جداً . أخذت أسير أمام البيوت . وأنا خائف . بدأ الظلام يخيم وحلّت صلاة المغرب
    رأيت أناساً يدخلون منزلاً . . وبهدوء أخذت طريقي إلى ذلك المنزل عبرت حوش المنزل ثم نظرت إلى الداخل . باب المنزل مفتوح وإذا بي أجد هذا المكان مسجد . لم يكن أحد قط في الحوش الخارجي . كان الحوش واسعاً جداً وفيه الكثير من أشجار الصفصاف , وبئر عميق . وقف الناس جماعةً للصلاة . وبينما أنظر إليهم علقت عيناي بالشيخ الذي يؤمهم . تذكرت والدي بثوبه الأبيض الناصع البياض أردت في ذلك الوقت أن أصرخ لأقول : أبي ! لكنّ العبرة خنقت صوتي ..
    ولما انتهت الصلاة اختبأت عند جذع شجرة صفصاف كبيرة كالعملاق . وخرج الناس كلهم يتجهون إلى منازلهم . لم يعد أحد هناك . انتظرت نصف ساعة تقريباً . نظرت فلم أجد أحداً .. دخلت إلى داخل المسجد . داخله مفروش بالبسط الحمراء القانية قلت في نفسي : كم هي جميلة وناعمة ! ورويداً رويداً اقتربت من السجادة التي كان يجلس عليها الإمام منذ قليل ودون أن أفكر جلست عليها ونظرت إلى نسخة القران الكريم التي كان الإمام يقرأ فيها . بدأت أبكي وأنا أقول " كان والدي يقرأ القران الكريم هكذا " . وفجأة أحسست أن يداً تمر على رأسي ..
  5. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:21 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    التفت خلفي ونظرت . كان الشيخ يبتسم لي . وبدون أن أفهم شيئاً نظرت إلى وجهه . نعم ! هذا هو الرجل الذي رأيته في رؤياي بعمامته هذه مع أختي الكبرى وأسرتي !.. كنت أنظر إليه وأنا في دهشة . وهو يسألني ويسألني . وأخيراً أنهضني واقفاً بيده . لحيته بالغة السواد ووجهه نوراني . وبتعجب ودهشة حدجني بنظرة من أعلى إلى أسفل , وبلغة أعرفها قال لي متسائلاً : " هل هربت من الروس ؟ وأين أسرتك ؟ " شرحت له كل شيء وأنا أبكي . ضمني إلى صدره بسرور وقال : اه ! معنى ذلك أنك بخاري ! أيها الصغير الضعيف .. انهض لنذهب . هيّا لاتخف ! تعالى " . أنهضني وأخذني إلى منزله .
    منزله كان جميلاً من طابقين . فتحت لنا الباب امرأة هي بعينها التي رأيتها في الرؤيا نفسها أيضاً . وتعجبتْ هي لما رأتني كانت تنظر مندهشة مرة نحوي والأخرى إلى الإملم الشاب ذي الثلاثين من عمره والذي كان يمسكني ويبتسم . غريبة !! كانت تشبه أختي تماماً . لكن شعرها لم يكن أشقر اللون بل كان أسود . أدخلني الإمام البيت . ثم شرح كل حكايتي لتلك المرأة بلسانها ولغتها . كانت المرأة شابة في حدود عامها الثامن والعشرين من عمرها . ضمتني إلى صدرها بحب وحنان وهي تبكي . سألتني شيئاً باللغة الفارسية بعينين دامعتين ثم نهضت مسرعة وأحضرتْ لي أكلاً . كانا ينظران إليّ هي والإمام وأنا اكل وهما يبتسمان . ثم قال لي الإمام : " عندما كنت في سنك ذهبت مع والدي إلى بخارى . وهناك كان أبي مشتغلاً بالوعظ والإرشاد . تعلمت لغتكم هناك . وهذه هي زوجتي . متزوجان منذ خمسة أعوام . ولم يرزقنا الله بولد . ولكن هاهوذا قد أرسلك إلينا . أتقبل أن تكون ابناً لنا ؟ " .
    - نعم ياوالدي الحبيب ! أقبل " .
    أخذني في اليوم التالي ظهراً بملابسي الجديدة إلى المسجد . حكى حكايتي لكل الناس المجتمعين هناك . وقال أمام الشهود إنه يكفلني ويتخذني إبناً له . ومنذ ذلك الوقت وأنا أقضي السنين بجانب أمي الحبيبة وأبي الحبيب .
    كنت سعيداً . ولم يكن لي أخ اخر . مات والدي بعد ذلك وهو في سن مبكرة . وماتت أمي الحبيبة بعد أن زوجتني بسنتين . وأصبحتُ إماماً للقرية ورئيساً لها .
    علم الدب الروسي بسعادتي فاعتدى هذه المرة على بلادي أفغانستان . لكنه أخطأ هذه المرة لأننا ومنذ اليوم الأول جعلناه يتقيأ دماً
    هذه هي قصتي قصة هجرتي من بخارى .
    تُرى كيف هاجر الاخرون من هناك ..؟!!

  6. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:28 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    (لا أركب البحر )
    عندما كنت طفلاً كنتُ أحب الاستماع إلى أحاديث وحكايات الكبار من ضيوفنا خاصةً تلك الأحاديث التي كانت تحكي الأحداث التي مرّ بها الضيوف أنفسهم . ساعتها كنت أنزوي في ركن مظلم وأضع ذقني في راحتيّ وأروح أصغي باهتمام ودقة . وكان أكثر ضيوفنا استحواذاً على إعجابي هو الشيخ عبدالرحمن .. كان الشيخ عبدالرحمن خبيراً ينم على كثرة تجاربه . وكانت تصرفاته ناضجة وأسلوبه رزيناً وقوراً . وكان يخيل إليّ أنني أكثر المستمعين إليه فهماً عميقاً مهما كان موضوع حديثه .. لم يكن الرجل ثرثاراً ؛ بل العكس , كان نادر التحدث , كما كان يعرف جيداً كيف يختار الوقت المناسب الذي يتحدث فيه . كان يتحرك في مكانه قليلاً قبل أن يتكلم , ثم يصمت ثانيتين أو ثلاث .. وكانت هذه المدة البالغة القصر كافيةً لشدّ انتباه الناس واستعدادهم للإستماع إليه .. كان عذباً , ومع ذلك كنت أحس بالخوف في كل حكاية يحكيها لنا .. كنت أتوهم أنه رجل غامض ومخيف . على دراية بكل شيء ويجد حلاً لكل معضلة ! قال له أبي يوماً : ياشيخ عبدالرحمن ! ألم يتولك الخوف أبداً ؟! ابتسم الشيخ ابتسامة واثقة وقال - كثيراً . إني أخاف دائماً لكني خفت ذات مرة خوفاً هائلاً لم أحس بمثله أبداً .
    رغم اعتراف الشيخ بأنه يخاف إلا أن طريقة أدائه للكلمات تبعث على الاعتقاد بأنه من أشجع الناس ,,, قال : كنت فيما مضى ملاحاً وكان فصل التنقيب عن اللؤلؤ قد انتهى إلى خيرٍ عميم .. فعزمنا على الرجوع مرة ثانية إلى ركوب البحر , وقد أصابنا جميعاً حظ وافر في ما كنا منهمكين فيه للبحث عن الفصوص النادرة , وقرّت عيوننا بما جمعناه .. فأخذنا نزجي الساعات على ظهر المركب في سرور وانشراح كان المركب ينوء بأثقاله .. وكان المسافرون يفترشون سطح المركب ليلاً وفي جوارهم أكوام مكدسة من البضائع .. وقد شعرنا بعد خمس ساعات تقريباً من الإقلاع بركود الريح كما أن ذلك الهدوء دام طوال ساعات الليل والنهار التالي . كان ركوداً رهيباً منذراً بخطر كبير .. وساطتنا الشمس بوهجها , ومضّنا ركود الريح .. كانت السماء تمطرنا رذاذاً خفيفاً , ثم ينقشع الغمام عن جوٍ محرق , فتتبخر المياه وتتصاعد إلى عنان السماء .. وتتعقّبنا أسماك القرش الشرهة .. كانت تداعب المركب , ثم تخبط المياه بأذيالها الفولاذية , فيهتز بنا ونهتز بدورنا .. ويصيبنا الغثيان !
    وتصرّم أسبوع .. وياللهول ففي نهاية الاسبوع كنا في طريقنا إلى العاصفة , اكتشفت ذلك وأيقنت منه لما لاحظت من اشتداد الريح وقد رجوت الربان أن يعدل في خط اتجاهنا ,, ولكنه أبى الاستماع إليّ .. وارتفع البحر بصورة مرعبة , وتصاعدت الأنات ومزقت الفضاء أصوات الاستغاثة والدعاء والعويل والتأوهات ! وعصفت الريح مزمجرةً , فوثب المركب يزأر كأنه طائر وحش يطير , ثم هوى هويّاً
    وانحرف ومال .. وتدحرجت الحياة على سطحه , وسقطت في الخضم , لتبتلعها اللجة , وتلتهمها الحيتان وأسماك القرش ! ورأيت رجلاً يمسك الحبل بقبضتين قويتين ,, وأغمضت عيني وفتحتهما .. وبهت ! ياللروع شاهدت حوتاً ضخماً يفترس رأسه .. كانت مياه البحر تفور وتغور .. وكانت الريح تلعب بالأشخاص القلائل الذين ما انفكوا يغالبون الموت بقواهم المنهارة .. كانت الريح تمزق ملابسنا , وخيل لي أنّ العا صفة ابتلعت البحر ثم لفظته دفعة واحدة .. وكنت في حالة ذهول شديد .. كنت كالمشلول من تأثير تلك الريح التي هبّت علينا بصورة هائلة , وفجأة همدت العاصفة وساد الجو هدوء .. وشعرت أني أكاد أنفجر , وأطير في الفضاء قطعاً وأشلاء .. ومع جمود العاصفة انتفض البحر , فشقت المياه طريقها إلى عنان السماء .. وانشق المركب إلى أكثر من نصفين , وتبعثر وتاهت قطعه في بحر مترامي الاطراف .. ورأيتني أطفوا سابحاً ! وعصفت الريح بعد ركود , فتراجع البحر .. وتلفّت حولي فلم أبصر أسماك القرش الجائعة .. والأرجح أنها قنعت بالذي التهمته واستولت عليه .. واصطدمتُ بغتةً بباب خشبي عائم , فتمسكت به وهطلت الأمطار , فاليت أن أصمد حتى النهاية , ومضى يومان وليلتان , قذفتني المياه في كل اتجاه . وأصابني الدوار وغبتُ عن الوعي , , وكنت أنتبه فأشعر بشيء حلو المذاق يتسرب من فمي إلى حلقي .. كان هناك أناس يقومون برعايتي أنقذوني من موت محقق .. فإني لما فتحت عينيّ شاهدت حولي أشجاراً وأزهاراً .. ,, مات الجميع ونجوت أنا بفضل الله سبحانه .. ثم بهؤلاء القوم ..
  7. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:33 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    (الفيلسوف كانط)
    حاول (كانط) أن يشتري من جاره ديكه الذي كان يزعجه في لحظات تأمله , إلا أنه لم يتمكن من إقناع الجار الذي كان يتعجب كيف أن ديكاً بسيطاً يمكن أن يزعج فيلسوفاً عظيماً .
    الفيلسوف الألماني (كانط) صاحب الكتب الشهيرة : (نقد العقل الخالص) (نقد العقل العملي) (نقد الحكم)
    وكتاب (الاصول الميتافيزيقية للعادات والتقاليد) وأكثر من ستين كتاباً اخر وأستاذ المنطق بجامعة كونيغسبرج ببروسيا الشرقية .. هذا الاستاذ لم يكن يعرف كيف يبري قلمه !! هذا الفيلسوف كان غريب الطباع , ينفر من الناس , شديد الحرص على صحته كان يبتهج كلما اقترب من الثمانين , ويسعد كلما علم أنه عاش أطول من فلان من المعمرين أمثاله , ويتأكد بذلك من كشف الوفيات في مركز شرطة الحي . كان كانط متوسط الطول معتدل القامة غير أن كتفه الأيمن أعلى من الأيسر كانت عيناه زرقاوين جميلتين , إلا أن العين اليسرى لاتؤدي وظيفتها إطلاقاً . كان ينام كل ليلة سبع ساعات , كان ينهض من فراشه في تمام الساعة الخامسة , ومن التعليمات التي كان خادمه يتقيد بها حرفياً ألا يتهاون في إيقاظ سيده في الموعد المحدد . وقد حدث يوماً خلال خدمة دامت ثلاثين عاماً أن طلب كانط من خادمه هذا أن يتركه ينام نصف ساعة أخرى زيادة على المدة المحددة , فما كان من الخادم إلا أن رفض في إصرار قائلا: (أبداً .. أبداً .. لايمكن) . ظل كانط زمنا طويلاً يتناول غداءه في مطعم كان يجد فيه صحبة لطيفة, غير أنه هجر هذا المطعم إلى مطعم اخر لأنه وقع ضحية شخص كان يزعجه برواية حكايات تافهه تثير الأعصاب . ثم غير المطعم الجديد لأن بعض السخفاء كانوا يلاحقونه ويقرأون عليه إنتاجهم الأدبي . وفي شبابه , كان كانط بعد أن ينتهي من إلقاء محاضراته يذهب إلى المقهى في أغلب الأحيان قبل وجبة الغداء , ويتطرق إلى الكلام في أحداث اليوم , ثم يلعب البلياردو , وفي المساء كان يحب أن يلعب الورق لأنه كان يعتقد أن في ذلك تنشيطاً للذهن. كان كانط لايتمسك باتباع اخر طراز في ملابسه , ولكنه كان يردد دائماً أن من الواجب ألا يهمل الإنسان في موضوع الثياب , كما ينبغي الاعتناء باختيار الألوان الملائمة .. فكان يحبذ ارتداء زي كستنائي اللون مع صدرية صفراء.
    كان كانط بسيطاً في أثاث منزله . لم يكن أثاثه جميلاً ولافاخراً وإنما كان نظيفاً , وكان لايميل إلى الخروج من مسكنه ولا إلى القيام برحلات أو قضاء العطلة في المصاييف كما يفعل غيره من العلماء .
    ولم يكن كانط في حياته يلتزم باتباع العرف والتقليد وإنما كانت تصرفاته تنبع من اقتناعه الشخصي .
    كانت حاسة الشم عنده قوية إلى درجة عالية كما هي الحال عند الأشخاص الأذكياء يقول إن حاسة الشم حاسة وقحة , فهي لا تسأل صاحبها رأيه فيما يشم , بل تفرضه عليه فرضا شاء ذلك أم أبى)
    وفي أخريات حياته ضعف بصره , بحيث إنه لايرى الطعام الذي يقدم إليه . وفي العام الأخير من حياته ,لزم حجرة مكتبه ولم يغادرها وأصبحت هي غرفة طعامه ونومه . قبل أسابيع من موته فقد الوعي على حين غرة , وأصبح يتلجلج في الكلام .. ثم مات ميتةً هادئة بلا ألم ولا عذاب 12 فبراير 1804م .
  8. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:36 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    (الفتاة والديك )
    أيضاً اليوم كنتُ أتلوى في اضطراب .. والدتي ووالدي , إخواني ,

    أقاربي كلهم ينظرون إلي بنظراتهم المجنونة , لأنني لا أريد الزواج .

    بالأمس ذهبوا بي إلى طبيب نفسي وجعلوه يفحصني ملياً

    . قال لهم هذا المسكين : "ابنتكم أعصابها متعبة يلزمها تغيير جو"

    رغم أني بصحة جيدة وعقلي في رأسي ..

    كل ماهنالك أنني لاأريد زوجاً ..وكل من سألني لماذا ؟؟؟؟؟

    أجيبه بعناد : لا لشي!

    لو ذكرت لهم السبب سيضحكون ويحكمون علي بالجنون ..

    لقد ادركت حقيقة الرجل المسمى (زوج) ولا أظن فتاة او امرأة

    في العالم قد فهمت هذا الظالم مثلي قط .. لقد فحصته جيداً

    وأحسست بكل معنى في روحه .. إنّ موقع بيتنا النائي شكّل لي محيطاً مناسباً

    لأتوصل لاكتشاف ذلك . عائلتنا منطوية على نفسها ولا أحد يزورنا..

    نحي حياة أشبه بحياة المنتجع ..أقضي كل أوقاتي في القراءة

    وتصفح (النت) أو استمع إلى مناقشات أشقائي الفارغة ..

    وفي أوقات المطالعة أكون في الحديقة التي نربي فيها الدجاج ..

    اه لتلك الدجاجات مخلوقات محبوبة مشغولة بنفسها طيبة القلب بريئة ..

    وعلى سمو هذه الدجاجات وأخلاقها الرفيعة فقد سلّط الله على المسكينات

    بلاء مخيفاً .. ووحشاً كاسراً .. إنه الديك ملك الحضيرة المغرور..

    إنه دكتاتوري مستبد لايجد لذة في شيء سوى الظلم ..

    لايعرف معنى الواجب ولا التضحية..

    ولا يعلم مالمحبة ولاماهي الشفقة ولا الرحمة..

    أناني عجيب .ثرثار مشغول بزينته ومطعمه ومزاجه العصبي .

    وبذاته فقط .. كنتُ أتأمله وأنا ارمي الحبّ للدجاجات

    فأراه يجري في ا لمقدمة دون أن يخطر بباله أن ينادي بقية

    الدجاج . يبدأ في ابتلاع الحبات وكل من تقترب منه

    يجرحها بمنقاره الخنجري . في الصباح يقوم يصيح طويلاً :

    "استيقظوا أفيقوا , هيا لخدمتي!!

    وحتى صغار الدجاج لاتسلم منه ..

    إذا سمعها تشدو جرى نحوها ووضعها تحت رجليه وأنشب

    فيها مخالبه ثم يتركهأ تسبح في بحيرة الدم.. وبقدر ماهو ظالم

    فهو جبان ..إذا مرت حدأة أو حمامةعلى السماء يصيح من الخوف ..

    ويرفرف بجناحيه ويبقى في ذهول..!!

    وفي الوقت الذي بقيت فيه الدجاجات منتوفة الريش قذرة ,

    كان الديك نظيفاً منتعشاً وسعيداً,

    يظلم الجميع , وتظل السعادة والصفاء له لوحده..

    أخذ غيظي وحنقي يكبران حتى طغيا على

    كل روحي .. وتطور الأمر معي شيئاً فشيئاً

    لدرجة أنني بدأت أشبّه والدي - الذي يثور لأتفه

    الأسباب - بهذا الديك .إنه يحمل في طبعه شيئاً من ممارسات الديك

    ..نظراته الحادة المستديرة .شماغه الأحمر الكبير غير منتظم الشكل

    على رأسه كأنه عُرف .. إذا غضب جعل البيت يرتعد

    وكما أنني شبّهت والدي بالديك فإن منزلنا الذي بني على شكل قصر

    أوربي يشبه الحضيرة .!

    ..غرفة والدي ذات الشرفة في الطابق العلوي تبدو وكأنها الغصن

    الذي تنام عليه الطيور وتبني عشاشها , ونحن في البيت بمثابة سرب

    من الدجاج لانساوي في نظره شيئاً يضرب الخدم

    ويتدخل في أمور المطبخ ..يؤنب اخواني ولايعطي

    والدتي أي فرصة للتصرف ..لايوجد أحد

    سواه لإنه ديك الحضيرة ..

    وإذا شكوت لأمي من أحوال والدي هذه تقول المسكينة: يا ابنتي..

    كل الرجال هكذا على هذا الحال فأتعجب كلهم هكذا خشنون ..!!

    ولإننا عائلة غنية فإن الخاطبات لايتعبن

    ولا يصيبهن الملل من المجيء والتردد على قصرنا

    البعيد ..وأنا طبعاً لا أخرج إلى أية واحدة منهن

    لتراني فهن يعجبن بالفتاة على السمع لذا فهن

    يلححن في طلبي بإصرار .. وتحاول أمي تزويجي .

    .ولكني أقول: لاأريد الزواج.. فتسألني

    لماذا لاتريدين الزواج؟ - لا لشيء..

    وهذا هو الجواب الذي يتلقونه مني دائماً

    أما أنا حقيقة أعلم "لماذا لاأريد الزواج"

    وتقول والدتي : لايصح أن تفسدي نظام الدنيا ,

    لابد لكل امرأة من رجل ..

    إن كان هذا حقاً , أليس ظلم والدي كافياً؟..

    إذا مات ..,كم من ديك صغير في منزلنا لا يمكنه

    أن يشدو ويصيح خوفاً من (الكبير) فما المعنى للذهاب

    إلى القفص الذهبي والتعرض لمنقار

    ديك غريب ..أقصد رجل غريب..!!!
  9. الشاعر الرجيم
    16-03-2007, 10:47 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    (الرواية)
    بدأ بمطالعة الرواية منذ أيام . وكان قد وضعها جانباً لانشغاله .. ثم عاد إلى الرواية مرة أخرى وشعر بأن اهتمامه بعقدة الرواية يتنامى باطراد . في ذلك المساء أجرى اتصالاً هاتفياً بصديقه , ثم عاد إلى غرفة مكتبه الهادئة المطلة على حديقة المنزل , وانكب على الرواية . جلس مسترخياً في كنبته المفضلة . وكان ظهره باتجاه الباب - لوخطر له خاطر يتعلق بأمكانية اقتحام الغرفة من قبل غرباء لأزعجه ذلك - مرر يده على القماش المخملي الأخضر , وهو يطالع الفصول الأخيرة من الرواية . وسرعان ما تذكر أسماء شخوص الرواية وصورهم دون عناء . ما إن تابع القراءة حتى بسطت الرواية سحرها عليه . وأحس بلذة النأي عما يحيط مع قراءة كل سطر . وغمره شعور بالراحة حين أراح رأسه على المخمل الأخضر الذي يجلل مسند الكنبة المرتفع , وحين أحس أن سجائره في متناول يده , وأن هواء المساء يرقص بين الأشجار تحت نوافذه العريضة .
    وامتصته الرواية وهو يقرأ " حين نحلم أننا نحلم , فهذه بداية اليقظة "
    إن أرض الرواية هي الحلم والوهم واللايقين . كل شيء لايؤدي إلى شيء " إنني أحلم بنفسي في زمان ومكان اخر , وفجأة اكتشف أنني أحلم , هكذا يبعثر الحلم الحلم , ويذبحه باكتشاف الحلم المضاد .
    قال بطل الرواية مرة " قيض لي أكثر من مرة أن أقرأ ألف ليلة وليلة . اكتشفت أشياء كثيرة لكنني حلمت بشيء واحد , هو أن أملك بساطاً سحرياً , ينقلني إلى كل الأمكنة , لم يكن تحقيق هذا ممكناً فأطلقت لخيالي العنان "
    أن أحلم بأحد قد يكون هو الاخر يحلم بي . وقد يظن كلانا أنه الحالم - كما يقول صاحب الرواية - وربما توقفنا عن الحلم وربما واصلناه .. وواجبنا في الوقت نفسه أن نقبل بالحلم تماماً كما نقبل بالعالم , وأننا نولد ونرى ونتنفس . إن إعادة فحص الحلم هي نوع من نظرية معرفة مضمرة تنطوي عليها تلك الرواية .
    بين شخصيات تلك الرواية اثنان عرفا بالمثالية الذاتية : باركلي وشوبنهور . ففي فلسفة باركلي يتحول كل شيء إلى إدراك , فالشيء هو المدرك , وما يختفي عن الادراك هو احتمال ونفي وافتراض . فالشيء لايكون هناك إلا بقدر ماتسقط عليه حواسي , وهكذا فإن باركلي ينفي العالم لتتسع ذاته أو ليحوله إلى لغة رمزية يتحدث بها كائن مطلق . أما شوبنهور فقد امتص العالم لينفخ ذاته , وليجد نفسه أخيراً في الفرد والعبقري وإنسان نيتشه الخارق (سوبر مان)
    وأثناء مطالعته للرواية , صعد رجل الدرج الصغير , ودلف إلى البيت . مر بغرفة زرقاء , ثم بصالة , ثم بدرج ذي بساط . في أعلى الدرج بابان . لا أحد في الغرفة الأولى . لا أحد في الثانية . النور يندلع من النوافذ العريضة , ظهر كنبة مجللة بمخمل أخضر , رأس الرجل الذي يقتعد الكنبة ويطالع رواية !

    ( الهايد بارك )
    عدسة المنظار المقرب تنتقل من إطار إلى إطار :
    - امرأة مستلقية على ظهرها ممسكة بكتاب تقرأ .. تشرع ساقيها للهواء .. والنسيم يتلاعب بخصلات شعرها .. بينما أنامل اليد الأخرى تداعب العشب الأخضر .
    - فتاة وشاب في وضع حميم أمام البحيرة ورف حمام يطير فوقهما .
    - جميلة في ريعان الشباب تلبس سروالاً أقصر من قصير وتنساب بسرعة النسيم فوق عارضة تزلج بدواليب , وأخرى على دراجتها تطارد رفيقها على دراجته . . الجميع في لهو وانطلاق في هذا النهار الجميل .
    هو من مكتبه المطل على " الهايد بارك" ينقل عدستي منظاره المقرب من إطار إلى إطار .. منغمساً ومتحمساً حتى ليكاد يطير ..
    حين دخل عليه أبومشاري محيياً لم يجبه بل أشار له بيده ليقترب :
    - تعال تفرّج وانظر إلى حياة أوروبا..
    بعدما التقط أبومشاري المنظار ونظر من خلال فوهتيه قال :
    - والله تليق بهم حياة كهذه .. يا أخي شعب تجاوز العقد والتزمت , وعرف أن الحياة ماهي إلا حب متبادل .
    - والله نحن لم نعش يا أبامشاري , ولم نعرف كيف عشنا شبابنا .. وقضيناها كبت ومناجاة صور وعادات سيئة ..
    - اتسمح لام أولادك أن تلبس هذا الزي الذي يكشف أكثر مما يستر ؟؟
    - أموت يا أبامشاري بالسروايل التي هي أقل من قصيرة ثم يتابع :
    - بالمناسبة يا أبامشاري .. أناخائف على الأولاد في لندن .. نشأوا وتربوا في المدارس الانجليزية ويلبسون الجينز ويضعون القبعة على رؤوسهم بالمقلوب , ويصرخون لي باسمي الأول دون أي كلفة أو احترام ..
    والمشكلة أنا خائف على البنات أكثر
    - يا أخي ليس لك إلا التسليم للتطور .. لا أنت أول الناس ولا اخرهم !!
    الاخلاق لم تعد تقاس بالمظهر والملابس .. إنما بما تحمله في رأسك ..
    - لا لا .. لا استطيع الاقتناع بسهولة بما تقول .. البنت في سن المراهقة ومدرستها مختلطة , ورفيقاتها من حفلة إلى حفلة .. يدخنّ ويتباهين برفاقهن الشباب ...
    - علّمها أن تحترم نفسها وجسدها وهذا يكفي ..
    - لا أستطيع أن أتخيل يا أبا مشاري - لاسمح الله- أن ...
    أبو مشاري بحماس وهو منكب على فوهتي المنظار :
    - لا عليك الان .. قلبت الجو مأساة يا ابا خالد .. تعال انظر إلى هذه الشقراء التي تعرض جسدها المشرق .. كأنها شمس تنير شمساً ..
    - ناولني لأرى .. دوخت رأسي ..
    يخطف المنظار منه ليقلبّه يمنة ويسرى لتظهر أمامه وإلى جانب الفتاة الشقراء , فتاة سمراء بشعرها الأسود في سن المراهقة .. الفتاة تتلاطف مع صديقها الانجليزي .. يفر منها لتعدو خلفه وهي شعلة من الفرح والانطلاق .. ماذا ؟؟
    يردد مع نفسه : ماذا ؟؟ إنها ليان .. ابنتي ليان ..
    ارتجفت يده الممسكة بالمنظار وصعدت فجأة موجة حر صحراوية من صدره إلى رأسه ..
    يبتعد عن المنظار .. دون أن ينظر إلى أبي مشاري .. يناوله إياه دون أن يتكلم .. يغادر مسرعاً .. يترك الغرفة .. يترك المكتب .. إلى الممر ,, إلى غرفة الاستقبال .. إلى المصعد .. يهبط به إلى الأرض .. يسير لهب الصحراء وسموم (نجد) في صدره .. في وجهه .. لكنه مخنوق , يكاد اللهب يتطاير من عينيه .. يسير كمن يريد أن يقطع الزمن أكثر من المسافات واللغط يلف رأسه .. لغط يشبه الضجيج .. يشبه لفح حر الصحراء مصحوباً بضجيج اخر .. ضجيج أكثر حضوراً .. ضجيج شوارع لندن *

    ( مفارقة )
    للمرة الألف , تتأكد أن رقمه ليس على شاشة هاتفها المحمول ,
    هذا يعني أنه لم يتصل بها ..
    للمرة الألف تلعنه , وتفكر بأخذ قرار حاسم بتركه .
    وعندما أضاء رقم هاتفها متصلاً بها , همس صوتها
    دافئاً :
    لماذا يهزمني انتظارك
    < من الفرحة نسيت إني عليك البارحة زعلان
    نسيت أقول لو تسمح تكرم لا تكلمني > *

    (قصة حب )
    قالت له : إحك لي قصة لأنام
    قال لها : لا أعرف
    لكنها أصرت ...
    فقال : يحكى أن صبية كانت تجلس كل يوم عند زاوية الطريق ويرمي لها بعض الناس بالنقود , وذات يوم , مر شاعر ورمى إليها وردة .. من يومها غابت الفتاة عن الطريق
    فعرف أنها لم تكن بحاجة إلى النقود بل إلى الحب .
    بكت في سرها لأنها هي ذاتها كانت الصبية لكنه
    لم يكن يعرف!

    (تكملة عدد )
    هدير المطبعة أشبه بهدير قطار مندفع ..
    المطبعة تلفظ بتواتر لايتوانى أعداداً من المجلة الثقيلة
    المجلة الثقيلة الوزن .. الصقيلة الورق .. الملونة الصور , فيما وضع صاحبها قدمه على حافة الطابعة الضخمة كمن يضع قدمه على أملاك شاسعة ..
    وقف قبالته ناشر تعاني مطبوعته من ضيق في الانتشار , وضيق في المال .
    الناشر : كيف لا تخسر ؟ ؟
    صاحب المجلة : لمن تتوجه مطبوعتك ؟؟
    الناشر : للقاريء طبعاً ..
    صاحب المجلة : هذا هو الخطأ يجب أن تتوجه للحاكم ..
    الناشر : لكن ماذا عن هذه الأعداد الهائلة من المجلة والحكام معدودون ؟؟
    صاحب المجلة : تكملة عدد .

    [لاتتسول من المتسولين]
    يحكى أن حكيماً كان يعيش في إحدى الغابات وكان الناس يفدون عليه بالعشرات لطلب العلم والاستنارة بأفكاره والاسترشاد بتعاليمه . وبما أنه كان فقيراً فلم يكن باستطاعته الإنفاق على إطعامهم جميعاً , الأمر الذي كان يسبب له الكثير من الإحراج ...
    وأخيراً قرر الذهاب إلى المدينة لمقابلة الملك كي يطلب منه مساعدة مالية لمجابهة هذا الوضع , إذ إن الملك كان مشهوراً بعطفه العلماء والحكماء ... وما إن دخل القصر حتى وجد الملك قائماً يصلي صلاة الضحى . فجلس ينتظره حتى يفرغ من صلاته . وفي فترة الانتظار سمع الملك يجهر بدعائه قائلاً : اللهم إني أسألك أن ترزقني وتعطيني المزيد من الثراء والأملاك والقوة " !ِ ...
    فما كان من الحكيم , بعد سماعه هذا الدعاء , إلا أن نهض وهمّ بالخروج لولا أن الملك أومأ إليه بأن يبقى . وبعد أن فرغ الملك من الدعاء سأل الحكيم قائلاً : بما أنك جئت لمقابلتي فلماذا هممت بالانصراف قبل أن تحدثني عن موضوع المقابلة ؟! ....
    فأجابه الحكيم :
    لا أريد أن أزعج جلالتكم بما جئت من أجله . إلا أن الملك ألح عليه بأن يفصح له عن حاجته . عندها صارحه الحكيم قائلاً : ياسيدي هنالك أناس كثيرون من طلبة العلم يفدون علي طلباً للعلم والمعرفة .
    وبما أنني رجل فقير وغير قادر على تحمل أعباء استضافتهم , فقد خطر لي أن أقصدكم لطلب بعض المساعدة المالية .
    فقال له الملك : ولماذا لم تعد راغباً في أن تطلب مني هذه المساعدة ؟! ...
    فأجابه الحكيم :
    عندما سمعتك تطلب من الله أثناء صلاتك أن يرزقك ويعطيك المزيد من الأملاك والمال قلت في نفسي : كيف أتسوّل من شخص هو نفسه متسول ؟! ....

    [شجرة الأحلام]
    يحكى أن رجلاً فقيراً كان يجتاز ذات يوم طريقاً جبلية وعرة تحت أشعة الشمس المحرقة .. ولما وصل إلى سهل فسيح وهو يلهث من كثرة التعب التجأ إلى ظل شجرة وتمدد على الأرض ليأخذ قسطاً من الراحة . وبينما هو مستلق على ظهره تمنى لو أنه متمدد فوق فراش وثير كي ينام نوماً عميقاً هادئاً .
    وما إن خطرت له هذه الأمنية حتى وجد الفراش إلى جانبه . فقد كان لايعلم أنه متمدد تحت شجرة الأحلام ... وبالرغم مما اعتراه من الذهول والدهشة نهض ونام فوق الفراش . ثم خطرت له خاطرة أخرى ففكر أنه سيكون في منتهى السعادة لو حضرت إلى جانبه فتاة جميلة وأخذت تدلك له قدميه المتعبتين ... وفجأة ظهرت الفتاة التي تمناها إلى جانبه وأخذت تدلك قدميه , فشعر بسرور بالغ وغبطة زائدة . بعد ذلك بقليل شعر بجوع شديد فقال بينه وبين نفسه بما أنني حصلت على كل ما تمنيته فلماذا لا أحصل على أكل شهي أسد به جوعي ؟! ... وفي الحال وجد أمامه مائدة مملوءة بشتى أنواع الطعام الشهية . وبعد أن أكل وشبع عاد فتمدد فوق الفراش وأخذ يفكر بكل ماحصل له في هذا اليوم
    وفيما هو مسترسل في تفكيره خطرت له فكرة سيئة . فقال في نفسه : ترى ماذا سيحصل لي إذا ما فاجأني الان ذئب شرس وهاجمني ؟!
    وفجأة ظهر أمامه الذئب الشرس فهجم عليه ومزقه وأكله !!

    نبوءة تحترق
    لم يكن مناف من الطراز الأول في التنبؤ وقوة الحدس فقط , بل كان فخوراً بتلك القدرة أيضاً . كان أحياناً يستغرق في التفكير لمدة دقيقة واحدة , ثم سرعان مايقول " ستمطر السماء غداً" وتمطر فعلاً . وقد يتأخر في أوقات أخرى , إلى أن يصرّح " في يوم الثلاثاء سيغادر المعتقلون الحجز " وفي يوم الثلاثاء يغادر المعتقلون الحجز فعلاً . وهذا هو السبب في أنه كان يتمتع بين أصدقائه وزملائه بإعجاب غير محدود . يتذكر بعض اصدقائه واحدةً من نجاحاته الأكثر شهرة , عندما كانوا يمشون معه , في طريقهم إلى الجامعة , حين ترامى إلى سمعهم فجأة صوت صافرة سيارة الإطفاء العنيف . ابتسم مناف بطريقة لاتكاد تحس , وقال " من المحتمل أن يكون بيتنا هو الذي احترق " وبسرعة ركبوا السيارة وأخذ يتتبع عن قرب سيارة الاطفاء . قال مناف " إنني متأكد تقريباً من أن بيتنا هو الذي يحترق " حافظ الأصدقاء على صمتهم الودود , الذي يدل على الاحترام فكم أعجبوا به . لاحقت سيارتهم سيارة الإطفاء , ووصل القلقون إلى المنطقة التي يسكن بها مناف , وحينما عبروا الشارع , هيأ الأصدقاء أنفسهم لتوقعات قاسية . وأخيراً , توقفت سيارة الإطفاء أمام منزل مناف المشتعل , وبكل تؤدة هبط مناف من السيارة , ووضع عقاله على شماغه , وسريعاً بسيماء فائز متواضع , استعد كي يستقبل التهاني والعناق من أصدقائه الطيبين .

    ألوان الحقيقة]
    التقى رجل بصديقه ذات يوم فبادره قائلاً : هل تعلم ! بينما كنت ماراً قرب هذه الشجرة , رأيت حيواناً غريباً لونه أحمر !
    فأجابه صديقه :
    لقد رأيته أنا أيضاً . ولونه أخضر وليس أحمر كما تقول . فتدخل صديقهم الثالث وقال :
    كلا , كلا . فقد رأيته أنا كذلك ولونه أصفر !
    وتجمع حولهم بعض المارة فأخذ كل منهم يصرخ بأنه هو الاخر قد شاهد الحيوان وإن لونه برتقالي وأزرق وبنفسجي الخ ..
    واحتدم النقاش بينهم وكادوا يشتبكون بالأيدي لولا أن اقترب منهم رجل كان قد سمع كل مادار بينهم من جدل فقال لهم :
    إنني أسكن قريباً من هذه الشجرة منذ زمن طويل وأعرف جيداً هذا الحيوان الذي تتحدثون عنه . إنكم جميعاً صادقون . هذا الحيوان هو الحرباء ويبدل لونه في كل لحظة فهو تارة أحمر وتارة أخضر وتارة أصفر ... كما أنه أحياناً يكون بلا لون البتة .

    العظيم
    سأل الابن والده : كيف يكون المتواضع عظيماً ؟!
    أجابه أبوه :
    الأترى الهضاب والجبال المرتفعة لاتصلح للزراعة . بينما الأراضي المنخفضة هي التي تنتج الأغلال والحبوب , لأن مياه الأمطار تتجمع فيها .
    والسنابل المليئة بالحبوب رؤوسها دائماً منحنية نحو الأرض . أما السنابل الفارغة دائماً منتصبة .

    السلم الموسيقي
    قال : دي , ري , مي , فا , سو , دو ....
    ما أسهل هذا !
    رد عليه الاخر :
    ولكن من الصعب أن تلعب هذا السلم على الة موسيقية .

    أوراق التقاويم
    قال أحدهم : أوراق التقاويم مليئة بتحديد الأيام التي تهطل فيها الأمطار .
    أجابه الاخر : ولكنك إذا عصرت جميع أوراق هذه التقاويم فإنك لن تحصل على نقطة ماء واحدة .

    دمية الملح
    خطر ذات يوم لدمية من الملح أن تقيس أعماق المحيط . فحملت خيطاً في طرفه كرة صغيرة من الرصاص وانطلقت في مسار طويل حتى وصلت إلى شاطيء المحيط وبدأت تشاهد اتساع رقعة مياهه اللامتناهية . إنها حتى الان مازالت مازالت هي نفسها دمية الملح و محتفظة بشخصيتها المتميزة .
    ولكن ما إن وضعت رجلها في مياه المحيط حتى ذابت كلياً فيه وأصبحت جزءاً لايتجزأ منه .. لقد عاد " المحدود " ليصبح واحداً مع " اللامحدود " .

    عمر القصيدة
    سألها شاعر عن عمرها ؟
    ردت قائلة : عمري من عمر القصيدة
    ضحك قائلاً : إذن أنت خالدة !

    ايات
    يهبط الظلام وتبدأ النجوم بالظهور في كبد السماء .
    تعتقد النجوم أنها هي الوحيدة التي تنير هذا الكون . ولكنها سرعان ما تأخذ بالأفول أمام ضوء القمر وبهائه .
    والقمر , هو الاخر يظن أن الأرض يملؤها السرور والحبور بفضل أشعته التي يرسلها إليها.
    ولكن ما إن تظهر الشمس وتسطع الحقيقة حتى ينحسر ضوؤه وينطفيء بهاؤه ثم لايلبث أن يختفي ...

    [رحيل
    مشى وراء جنازته أناس كثيرون
    جميعهم يلفهم الحزن على فقده ..
    وحده طفله الصغير أفلت من الجميع وسابق الجثمان
    في النزول إلى القبر ...
    لم يصدق أن الصعود إلى السماء
    ينطلق من أعماق الأرض

    -
  10. الشاعر الرجيم
    21-03-2007, 11:15 PM

    رد : الكلب لايكا وقصص أخرى

    الكلب لايكا وقصص أخرى


    الساحرة]
    حدث منذ زمن بعيد ياولدي أنّ رجلاً قد ألف العيش في بيت منعزلٍ عن الناس في أقصى

    القرية , وكانت له ابنةٌ غادة حسناء ناصعة البياض كالثلج , وكانت زوجته قد توفيت

    منذ وقت طويل , فقرر أن يتزوج مرة أخرى , فسألته ابنته (أبتي) هل سأبقى برعايتك

    كعهدك حين تتخذ لك زوجة أخرى ؟ فأجابها أبوها بقوله : أجل , وسأضمك إلى قلبي

    في حنان يفوق كل ما عهدتِ من قبل ! أجل سيكون هذا شأني , وسأعطيك أقراطاً ..

    وأساور .. وقلائد.. أشد تألقاً من كل ما نلتِ من قبل !

    وفي ليلة زواجه حمل الأب (الزوج) زوجته الشابة إلى بيتها الجديد , وكانت بهيّة

    الطلعة بيضاء متوردة , ولم يكن من هذه الزوجة إلا أن رمقت البنيّة بنظرة مخيفة

    حتى أن الفتاة صرخت عندما رأتها . ولم تتكلم زوجة أبيها العاتية .. وجنّ الليل ,

    ومضى الأبُ مع زوجته الشابة إلى غرفته , وأغلقت الفتاة الحسناء باب غرفتها

    الصغيرة عليها , وشعرت بالحزن يغمر فؤادها , فراحت تبكي , ورفعت رأسها فرأت

    قطة سوداء تتسلل إليها , وكانت فروتها تلمع ومخالبها الفولاذية تخدش الأرض ..

    استبد بها الخوف وقفزت إلى أريكة , ولكن القطة لحقت بها .. ووثبت خلفها

    وانقّضت فجأة على عنقها , فتخلصت من القطة وهي تصرخ وألقت بها على الأرض

    وعادت القطة إليها مرة أخرى , وكان سيف أبيها معّلقاً على الجدار , فانتزعته

    من غمده وهوت به حتى ارتطم بالأرض محدثاً صوتاً مجلجلاً , وأطار مخلباً من مخالب

    القطة واختفت وهي تموء في ركن مظلم من أركان الغرفة .

    أما زوجة أبيها فلم تبرح غرفتها يومين كاملين , وفي اليوم الثالث خرجت من الغرفة

    معصوبة الذراع .. ووقع في روع الفتاة المسكينة أن زوجة أبيها ساحرة وأنها قطعت

    ذراعها .. وفي اليوم الرابع طلب الأب من ابنته أن تكنس المنزل وتهيأ الطعام وكأنها

    أمةٌ لزوجته , وحرّم عليها دخول الغرف الخاصة به , وهكذا كان حظ الفتاة سيئاً..!

    ولبّت مطالب أبيها ورغم ذلك طردها في اليوم الخامس , فخرجت من المنزل حافية

    القدمين , ولم يتفضل عليها أحد بتمرة أو كسرة خبز تقتاتها وتتبلغ بها , وعندئذٍ أخذت

    الفتاة تنتحب وتبكي بحرقة مخفية وجهها الأبيض الجميل بيديها وهتفت : " أبتاه !

    لقد أضعتْ ابنتك ورميتَ بها إلى الهلاك ! وأنزلت الساحرة بروحك الاثمة ! غفر الله

    لك .. وألقت بنفسها في البئر , ولم يرها أحد منذ تلك الساعة .. ولم تكن تلك الفتاة

    الضحية الأولى لتلك الساحرة .. بل إن جميع الفتيات اللاتي أغرقن أنفسهن تخرج

    أرواحهن إلى النخيل في الليالي المقمرة وعلى رأسهن تلك الفتاة الحسناء .. وقد

    رأت ذات ليلة زوجةَ أبيها فانقضت عليها وجرّتها إلى البئر وهي تصرخ , ولكن

    الساحرة أنقذت نفسها فقد تقمّصت تحت الماء صورة فتاة غريقة ونجت بذلك ..

    وتقول جدتي : إنّ الفتاة الحسناء تجمع الفتيات الغريقات كل ليلة وتنظر في وجه كل

    واحدة منهن , محاولة أن تجد الساحرة , ولكنها لم توفق بعد ..!!!