علم الذكاء الاصطناعي


علم الذكاء الصناعي
الذكاء الصناعي: هي برامج الكمبيوتر التي تحاكي طريقة تفكير البشر، وفي إحدى المرات أعتقد علماء الكمبيوتر أن هذا ممكن وسهل ولكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى ذلك بعد وبدلا من ذلك فإن معظم الكمبيوترات مازالت تظهر درجة واضحة من الغباء الصناعي.
علم الذكاء الإصطناعي : هو أحد علوم الحاسب الالي الحديثة التي تبحث عن أساليب متطورة لبرمجته للقيام بأعمال واستنتاجات تشابه ولو في حدود ضيقة تلك الأساليب التي تنسب لذكاء الإنسان ، فهو بذلك علم يبحث أولا في تعريف الذكاء الإنساني وتحديد أبعاده ، ومن ثم محاكاة بعض خواصه ، وهنا يجب توضيح أن هذا العلم لا يهدف إلى مقارنة أو ماشبهة العقل البشري الذي خلقه الله جلت قدرته وعظمته بالالة التي هي من صنع المخلوق ، بل يهدف هذا العلم الجديد إلى فهم العمليات الذهنية المعقدة التي يقوم بها العقل البشري أثناء ممارسته ( التفكير ) ومن ثم ترجمة هذه العمليات الذهنية إلى ما يوازيها من عمليات محاسبية تزيد من قدرة الحاسب على حل المشاكل المعقدة.


الذكاء الإنساني : قال الله تعالى في محكم اياته :
( ومن أياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لايات لقوم يعقلون ) .. وقال سبحانه ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لايات لأولي الالباب ) صدق الله العظيم.
ويبين هذا القول الكريم أهمية العمليات الذهنية ( mental processes ) أولا في تمييز الإنسان عن غيره من المخلوقات ، وثانيا في تمييز إنسان عن اخر ، ومع أن الذكاء هو من أهم العمليات أو الأنشطة التي يقوم بها عقل الإنسان فإنه يصعب تعريفه بدقة : أهو القدرة على الاستنتاج ؟ أم هو القدرة على تحصيل العلم وتطبيقه ؟ أم هو القدرة على استيعاب الأشياء وتصورها والتأثير عليها في العالم الحسي ؟ وبدون الدخول في أمور فلسفية عميقة فإن الذكاء يمكن تعريفه بكل ما تقدم ويزيد ، فهو في نطاقه الواسع قد يشمل جميع العمليات الذهنية من نبوغ وابتكار وتحكم في الحركة والحواس والعواطف ، أما في نطاق دراسة علم الذكاء الاصطناعي للحاسبات الالية فيمكن تعريفه في نطاق قدرة الإنسان على تصور الأشياء وتحليل خواصها والخروج باستنتاجات منها ، فهو بذلك يمثل قدرة الإنسان على تطوير نموذج ذهني لمجال من مجالات الحياة وتحديد عناصره واستخلاص العلاقات الموجودة بينها ، ومن ثم استحدث ردود الفعل التي تتناسب مع أحداث ومواقف هذا المجال.
ولكي نتعرف على تفاصيل هذا التعريف فلنتصور أن شخصين ذهبا معا لمشاهدة مباراة لكرة القدم ، وكان أحدهما متمكنا من قوانين اللعبة وخططها وأسماء اللاعبين وأهمية نتيجة المبارة على المسابقات المختلفة ، في حين كان الشخص الاخر أبعد ما يكون عن كرة القدم وقوانينها ، وبعد انتهاء المباراة طلبنا من كل منهما التعليق على ما رأى ، فإننا سوف نجد أن الشخص الأول قادر على تقديم تحليل " ذكي " للمباراة وخطط الفريقين في اللعب والأخطاء التي ارتكبها ، ولوجدنا أن تعليق الشخص الثاني هو في الغالب بدائي قد لا يتعدى وصفا بسيطا لعدد 22 لاعبا يتنافسون بالملابس الرياضية على كرة واحدة بدون هدف أو معنى .. ومن ذلك يمكن أن نستنتج أن سبب قيام الأول بتحليل ذكي هو وجود ما يمكن تسميته بنموذج اللعبة وقوانينها في ذهنه ، مما مكنه من استرجاع وتحليل المواقف وحوداث المباراة التي شاهدها ، في حين أن انعدام هذا النموذج لدى الشخص الثاني أدى إلى بساطة تعليقه على المباراة ، ولو أننا تركنا الشخص الثاني مدة كافية لمشاهدة مباريات عديدة فإنه من الجائز أن يقوم بتطوير نموذج في ذهنه عن هذه اللعبة ولأمكنه تقديم تحليل موضوعي عنها فيما بعد كما أن في استطاعة الشخص الأول تطوير النموذج الذي استحدثه وتغيير عناصره كلما جد جديد ، وبالتالي فإن الإنسان قادر على استحداث النماذج الذهنية التي نتحدث عنها بالممارسة والتفكير ومن ثم تطويرها إذا لزم الأمر.

ومن أهم فوائد هذا النموذج الذهني الذي يستحدثه الإنسان لا شعوريا انه يساعده على حصر الحقائق ذات العلاقة بالموضوع في مجال البحث وتبسيط الخطوات المعقدة التي تتميز بها الصورة الحقيقية. فإذا كان مجال البحث مثلا ، هو الحالة الصحية لقلب أحد المرضى ، فإن النموذج الذهني الذي يستحدثه الطبيب المختص عن المريض يتركز على العلاقات المهمة مثل ضغط دم المريض ونسبة السكر والكوليسترول في الدم ، ويستبعد العلاقات غير المهمة مثل الأكلة المفضلة للمريض ومقاس ثوبه ولون سيارته وخلافه.

الذكاء الاصطناعي : يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي للحاسب الالي بأنه القدرة على تمثيل نماذج محاسبية ( Computer Models ) لمجال من مجالات الحياة وتحديد العلاقات الأساسية بين عناصره ، ومن ثم استحداث ردود الفعل التي تتناسب مع أحداث ومواقف هذا المجال ، فالذكاء الاصطناعي بالتالي مرتبط أولا بتمثيل نموذج محاسبي لمجال من المجالات ، ومن ثم استرجاعه وتطويره ، ومرتبط ثانيا بمقارنته مع مواقف وأحدث مجال البحث للخروج باستنتاجات مفيدة ، ويتضح أن الفرق بين تعريفي الذكاء الاصطناعي والإنساني المذكورين أعلاه هو أولا القدرة على استحداث النموذج فالإنسان قادر على اختراع وابتكار هذا النموذج ، في حين أن النموذج المحاسبي هو تمثيل لنموذج سبق استحداثه في ذهن الإنسان ، وثانيا في أنواع الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من النموذج فالإنسان قادر على استعمال أنواع مختلفة من العمليات الذهنية مثل الابتكار ( Innovation ) والاختراع ( Creativity ) والاستنتاج بأنواعه ( Reasoning ) في حين أن العمليات المحاسبية تقتصر على استنتاجات محدودة طبقا لبديهيات وقوانين متعارف عليها يتم برمجتها في البرامج نفسها.
ويتركز أصل علم الذكاء الاصطناعي في أبحاث بحتة ونظرية تدرس أساليب تمثيل النماذج في ذاكرة الحاسب الالي ( Model Representation ) وطرق البحث والتطابق بين عناصرها ( Search & Match Methods ) واختزال أهداف بها ( Goal reduction ) وإجراء أنواع الاستنتاجات المختلفة (Reasoning ) مثل الاستنتاج عن طريق المنطق ( Logic ) أو عن طريق المقارنة ( Analogy ) أو عن طريق الاستقراء ( Induction ).


ومن أهم أساليب تمثيل هذه النماذج هو استخدام القوانين ( Rules ) التي تحكم مجالا من المجالات ، فلو كانت أنواع الفاكهة مثلا هي مجال بحثنا فإنه يمكننا كتابة القانون التالي إذا كان النبات فاكهة وكان لونها أحمر فهي غالبا تفاح ويحتوي هذا القانون على قسمين : القسم الشرطي (Premise ) المتمثل في " إذا كان النبات فاكهة وكان لونها أحمر والقسم الاستنتاجي أو الفعلي ( Action ) المتمثل في فهي غالبا تفاح.
وباستخدام عدد كبير من هذه القوانين عن موضوع معين فإننا ننشئ نموذجا ضمنيا يخزن الحقائق عن موضوع البحث ، ويمكن استخدامه في التعامل مع الأحداث والخروج باستنتاجات عن موضوع البحث ، ويعتبر هذا النوع من التمثيل من الأساليب الشائعة نظرا لسهولة تطبيقه إلا أنه يعتبر تمثيلا بسيطا ولكن يعجز في كثير من الأحيان عن تمثيل جميع أنواع النماذج واستخراج جميع أنواع الاستنتاجات المعروفة.
ويعتبر أسلوب شبكات المعاني ( Semantic Networks ) أيضا من الأساليب الشائعة في تمثيل النماذج وهو يتخلص في إنشاء شبكة من العلاقات بين عناصر النموذج. أما ثالث أنواع أساليب التمثيل الشائعة فهو ما يسمى بتمثيل الإطارات (frame Representation ) والذي يمكن اعتباره نوعا خاصا من تمثيل شبكات المعاني.


ونتج من معامل أبحاث الذكاء الاصطناعي تقنيات عديدة مازال بعضها في الأطوار الأولى من الدراسة والبحث ، في حين وصل البعض الاخر إلى نضج نسبي أدى إلى تطوير أنظمة جديدة عملية تعالج مشاكل واقعية كان يعتبر من المستحيل معالجتها بأساليب البرمجة التقليدية ، ويعتبر مجال " الذراع الالية الذكية ( Smart Robot ) وأنظمة الخبراء ( Expert Systems ) أهم مجالين من هذه المجالات وفيما يلي نبذة مبسطة لهاتين التقنيتين وإمكاناتهما:

الذراع الالية الذكية : استخدمت الذراع الالية مؤخرا في المصانع للقيام بالأعمال الروتينية التي تحتاج إلى قوة عضلية ولا تتطلب عمليات أو أنشطة ذهنية معقدة مثل عمليات اللحام والدهان في مصانع السيارات. وقد اعتمد تشغيل هذه الأذرعة على دقة وسرعة أنظمة التحكم ( Control Systems ) التي تعمل بواسطة أجهزة الحاسب الالي ، وكان اليابانيون أول من استعمل هذه الأذرعة بصورة موسعة في صناعة السيارات والذي نتج عنه غزو اليابان للأسواق العالمية بسيارات ذات جودة عالية وأسعار منافسة.
ولا تستخدم الأذرعة الالية في التصنيع فوائد عديدة فهي لا تطالب بإجازات أسبوعية أو سنوية أو عرضية ولاتكل ولا تتعب من العمل ولا تتوقف إلا لفترات الصيانة ، كما أنها تستطيع العمل في مصانع غير مكيفة أو مضاءة إضاءة غير قوية ، وفي هذا توفير للطاقة ، ثم إنها لا ترفع الدعاوي ، ولا تطالب بتعويضات إذا تعرضت خطأ أو عمدا إلى غازات سامة أو مواد كيماوية ضارة ، وأخيرا فهي لا تحتاج إلى مرافق مساندة مثل دور الحضانة وصالات الطعام والصالات الرياضية وغيرها مما يطالب به العمال ، وليس من الصعب طبعا ترجمة كل هذه المزايا إلى توفير كبير في تكلفة الإنتاج وفي السيطرة على الطاقة الإنتاجية للمصانع بحيث تتناسب مع قوى العرض والطلب للسوق ، وذلك بدون اللجوء إلى تسريح العمال لبضعة أسابيع أو شهور أو في وضع ورديات إضافية.


ومع تطور أنظمة التحكم الالية وازدياد قدرة الحاسبات الالية التي تشغلها ازدادت قدرات الذراع الالية وأصبحت تقوم بأعمال دقيقة ومركبة كصنع شرائح الميكرو كمبيوتر وغيرها من الأعمال التي تتطلب أنظمة تحكم معقدة وصعبة ، إلا أن هذه الأعمال كانت محدودة بما يمكن إنجازه باستخدام أساليب البرمجة التقليدية وقد أدى إدخال أساليب الذكاء الاصطناعي في برمجة هذه الأذرع إلى فتح أفاق جديدة لم تكن ممكنة من قبل ، فأصبحنا اليوم نتكلم عن أذرع تستعمل الرؤية الإلكترونية ( Electronic Vision ) في فرز المنتجات وفي تحريك الذراع ( أو عدة أذرع ) في حيز ضيق بأسلوب مرن يتناسب مع متغيرات البيئة التي يعمل بها . ويتلخص أسلوب الرؤية الإلكترونية في تحويل الصورة الإلكترونية المكونة من نقاط ( Pixels ) سوداء أو بيضاء إلى خطوط وأضلاع متصلة لتكوين صورة ، ثم مقارنة خصائص الصورة الناتجة بالنماذج المخزونة سابقا في الجهاز. ويمكن بهذه الطريقة التعرف مثلا على صورة الطائرة من أجنحتها وذيلها ، وتمييز المطار بمدرجات إقلاع الطائرات ، والمسجد من مئذنته وهكذا وتتمثل صعوبة الرؤية الإلكترونية في اختلاف الصورة مع اختلاف الإضاءة المسلطة على الجسم ووقوع الظل على أجزاء منه ، ولتقنية الرؤية الإلكترونية تطبيقات عديدة في مجالات توجيه الصواريخ والطائرات والتوابع ( الأقمار الصناعية ) ومجالات التجسس بالإضافة طبعا لمجال الأذرع الالية.

ومن أشهر الأنظمة التي تستعمل الرؤية الإلكترونية في المجال الصناعي هو نظام كون سيت Consight المستخدم الان في شركة جنرال موتورز للسيارات بكندا والذي يسمح للذراع الالية الذكية بفرز قوالب محركات السيارة " Engine Casts " أثناء مرورها أمامه على الحزام المتحرك تحت إضاءة معينة . وبعد تحليل الضوء تقوم الذراع باستخراج القوالب التي لاتتفق والمواصفات المطلوبة.

ويمثل استعمال أكثر من ذراع واحدة في حيز ضيق صعوبة فنية كبيرة نظرا لخطورة اصطدام بعضها ببعض ، كما أن التنسيق بينها في التعاون على إنجاز عمل ما له مشاكله الفنية نظرا لضرورة متابعة كل ذراع وما يقوم به من عمل بالإضافة إلى ما أنجز غيره من أعمال . وقد أقتصر استعمال الأذرع الالية إلى عهد قريب على استخدام كل ذراع على حدة ، حيث أن استخدام أكثر من زراع واحدة في إنجاز مهمة مركبة يحتاج إلى أنظمة الية جديدة ومعقدة تقوم برسم الخطة العامة للحركة وتقوم باستنتاج الخطوات المنطقية التي يجب أن تنفذها كل ذراع ، وبالتالي فهي أنظمة تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي وأساليبه في استحداث نماذج محاسبية للبيئة وتخزين قوانين وأسس الحركة المطلوبة ورغم ظهور بعض الأنظمة الالية تمكن الذراع الالية من الحركة الذاتية مثل نظام " ستربس Strips " إلا أن معظم هذه الأنظمة ما زال في أطوار البحث والتطوير.