فلسفة العمر‎

الموضوعات العامه التي لاتندرج تحت أي قسم من أقسام المنتدى
  • ارسال إلى Twitter
  • ارسال إلى facebook
  • ارسال إلى google plus
    1. MaLeK-3l -Ard
      23-08-2010, 09:20 PM

      فــــــــلســـــــفة العــــــــــــمـــــــــــــر‎

      فلسفة العمر‎




      من أهم مصادر الجمال في الإسلام عقيدة اليوم الاخر، لكننا لن

      نذوق جماليتها إلا بعد معرفة ما "العمر"؟ هذا الامتداد الزماني

      الحاد المحدود، الذي يحد فترة حياة الإنسان، من الولادة إلى

      الممات.



      العمر هبة إلهية كبرى.. إنه تجل من تجليات الحياة، بيد أن حقيقته

      نسبية ككل حقائق الحياة الدنيا. فليس فيه -إذا تفكرت- طويل

      وقصير، وإنما هو قصير كله. فمن حيث منطق الأشياء وطبائعها:

      كل ما ابتدأ لينتهي لا يكون إلا قصيرا. أليس كل الناس يموتون

      بعد سنوات من تاريخ ميلادهم؟! نعم، سنوات، وإن هي

      إلا سنوات، لا مئات السنين، ولا الافها.



      ثم إن المقارنة النسبية بين أعمار الخلائق المختلفة تبين لك

      نسبية الطول والقصر باعتبار اخر. فمن الخلائق التي تعيش مئات

      السنين أو الاف، من غير البشر، كالأشجار، والجبال ونحوها

      ، وكالشياطين -وقد قال إبليس اللعين:

      ﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين

      * إلى يوم الوقت المعلوم﴾(الحجر: 36-38)- إلى الكائنات التي



      تعمر الشهر والأسبوع واليوم، كبعض الحشرات، من مثل النحل،

      والذباب، والفراش.

      فلو نظرت إلى ما يشعر به المعمر مئات السنين أو الافها وهو

      ينظر إلى عمر الإنسان لوجدته يتأسف على شدة قصره، ويأسى

      على الإنسان الذي لم يمد له في عمره إلا قليلا، وهو لا يدري أن

      عمره هو أيضا بالنسبة إلى من هو أطول عمرا قصير جدا.



      قصر الأعمار



      ولو نظرت أنت -باعتبارك الإنساني- إلى أعمار الحشرات التي

      تعيش شهرا أو أسبوعا أو يوما، لأشفقت عليها من شدة قصر ما

      تعيشه من لحظات. ومما أرويه عن علماء الأحياء، أن ضربا من

      الفراش يعيش دورته البيولوجية الكاملة، في مدة لا تتجاوز أربعا

      وعشرين ساعة. يكون بيضة، ثم يخرج منها، فيدب دودة، ثم

      يلتف حول نفسه في غشائه، ليطير بعد ذلك فراشة، ثم يبيض ما

      شاء الله له ليخلف ذريته بأمان، ثم يموت. كل ذلك في أربع

      وعشرين ساعة! وعندما كنت أقرأ أن بعض الحشرات يعيش

      ثمانية أيام على الأكثر، كان يتبادر إلى ذهني أن تلك الحشرة

      إذا طال عمرها إلى اليوم الثامن، تنشد كما أنشد الشاعر العربي

      القديم:





      سئمت تكاليف الحياة ومن يعش

      ثمانين حولا -لا أبا لك- يسأم!





      واليوم الواحد بالنسبة إلى وجدان الحشرة كعشر سنوات كوامل،

      لا فرق. ولو نظرت إلى ما أخبر به الله عن الزمان الكوني في

      القران، لأدركت أن الأعمار كلها بالفعل قصيرة.



      الزمان الكوني وتجلياته



      والزمان الكوني صور وأقسام شتى، يتجلى بعضها في بعده

      "المعراجي"، وهو نوعان: الزمان الأمري والزمان الملائكي.

      ف"الزمان الأمري" هو المشار إليه في قوله تعالى:

      ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم

      كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾(السجدة:5)،

      و"الزمان الملائكي" هو المشار إليه في قوله سبحانه:

      ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾

      (المعارج:4). كما يتجلى في صورة "الزمان العندي" وهو المشار

      إليه في قوله تعالى: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾

      (الحج:47). وهو زمان "الملائكة العندية" المشار إليها في قوله

      تعالى: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه

      وله يسجدون﴾(الأعراف:206){س}. ثم "الزمان الأخروي"

      وهو الزمان الخالد السرمدي الذي لا ينتهي أبدا.



      وفي ذهنك، أنت أيها المعمر مائة عام أنك عشت عمرا مديدا.

      نعم تماما كما عمرت الحشرة ثمانية أيام، أو أربعا وعشرين

      ساعة.

      ولك أن تتفكر في نسبية الزمن عند تقلب أحوال النفس الإنسانية،

      بين شتى ضروب الانتظار مثلا.. عندما تنتظر حلول لحظة سعيدة

      لم يبق بينك وبينها إلا لحظات يسيرة من دقائق معدودات.. تشعر

      أنها تمر ببطء شديد، وتقلق من "طول" الانتظار؛ فكأن وقع

      الدقائق تلك في نفسك عدة أعوام. وعندما تحل اللحظة السعيدة

      ، تشعر -رغم طول مدتها بالنسبة إلى لحظات الانتظار-

      أنها قصيرة جدا، فكأن وقتها يتصرم منك تصرما. الزمن نسبي..

      وتلك هي حقيقة الأعمار.



      الطول والعرض في الأعمار



      والعمر -عند التفكر في الخلق الإلهي- هو حقيقة الإنسان. إذ ليس

      المرء إلا بداية ونهاية! ساعة ولادة فساعة وفاة. ولكن.. شتان

      شتان بين عمر وعمر! ليس ذلك باعتبار الطول والقصر؛

      إذ الأعمار كلها قصيرة كما أسلفنا، ولكن باعتبار العرض

      والضيق، إذ قد يكون العمر طويلا -حسب العد البشري النسبي

      - ولكن يكون ضيقا من غير سعة. كما قد يكون قصيرا بالاعتبار

      نفسه، ولكنه عريض جدا، حتى لكأنه لا يكاد ينتهي أبدا.



      وبيان ذلك بالمثال التالي: هب أن العمر عبارة عن طريق يقطعها

      الإنسان، لها امتداد طولي واخر عرضي. والعادة أن الإنسان إنما

      ينتبه إلى الطول؛ لأن ذلك هو المتعلق بمفهوم الزمن

      (الماضي والحاضر والمستقبل)، ولكنه قلما ينتبه إلى العرض؛

      لأن هذا إنما يتعلق بالأعمال والمنجزات خلال كل فترة من فترات

      الزمن.



      فالإنسان في سيره خلال عمره نوعان: نوع يخطو دون أن ينتبه

      إلى عرض الوقت، فيلتهم من طوله ما هو مقدر له، فلا يشعر

      ببركة العمر مهما طال، حسب العد البشري النسبي. ونوع ينتبه

      إلى العرض؛ ولذلك فهو إذ يخطو الخطوة الواحدة من عمره،

      لا ينتقل إلى الثانية حتى يخطو مثلها على عرض الطريق لا على

      طولها ليعيش باقي اللحظات التي هي من الخطوة الطولية الأولى

      نفسها التي خطاها.

      وهكذا يبقى يخطو على عرض الطريق حتى يستوعب كل عرضها.

      وحينئذ فقط، ينتقل إلى أمام ليخطو خطوة أخرى على طولها، ثم

      يستأنف بعد ذلك خطوات العرض. فهو إذن يسير طولا وعرضا.





      إن مفهوم العرض رمز إلى استغلال الوقت استغلالا كاملا. لأن

      الناس -في الغالب- يعيشون اللحظة الواحدة، بما لا يكفي لعمارتها

      من الأشغال والأعمال. وربما أمضوها بالفراغ، وذلك هو ما يسمى

      بقتل الوقت. والعرض هو استنفاد كل الحيز الزمني للحياة

      بالمنجزات الإيجابية، والأعمال الحية التي تملأ رصيد العبد

      بالحياة الحافلة بالخير. وتلك هي "بركة العمر" المرجوة في

      الأدعية المأثورة. وإني إذ أذكر هذا المعنى أذكر وصف الله للجنة

      بقوله سبحانه: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها

      كعرض السماء والأرض﴾(الحديد:21)، ذلك أن الجنة زمن خالد،

      فأنت تعيش اللحظة الواحدة مرات عديدة، لا تنقضي أبدا.

      كما أن نعمها الوفيرة لا تستنفد أبدا. فذلك هو العرض ذو المعاني الجميلة.



      أما الطول فهو يوحي بالنهاية والزوال، ومن هنا لم تكن للأعمار

      قيمة من حيث طولها أو قصرها. وإنما البليد من الناس من

      يتشبث بالطول الدنيوي. قال تعالى:

      ﴿قل إن كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة من دون الناس

      فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما قدمت

      أيديهم والله عليم بالظالمين * ولتجدنهم أحرص الناس على حياة

      ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو

      بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون﴾

      (البقرة:94-96).

      ذلك أن جشع الكفار وجهلهم بحقيقة الحياة، يجعلهم ينظرون للدنيا

      من خلال بعد واحد، هو البعد الطولي. وهو بعد خداع، لأن الألف

      سنة فيه كاليوم لا فرق، ما دام الطول ينتهي إلى حد. والعدد في

      الوحدات الزمنية الدنيوية -كما رأيت- نسبي، ورب حشرة عاشت

      بضع لحظات، أو بضعة أيام، أزكى عمرا ممن عمر ألف سنة.

      ومتى كان الإنسان هو المقياس الحقيقي لوحدات الزمن؟!



      العمر الطولي والعرضي



      ومن هنا ذم الله الحياة الدنيا، من حيث هي طول يتلهف فيه على

      المتع الزائلة، والمكاسب الفانية:

      ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾(الحديد:20)،

      وقال صلى الله عليه وسلم: "ما لي وللدنيا..؟ ما أنا في الدنيا

      إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها!"

      (رواه الإمام أحمد والترمذي).

      والأحاديث في ذم الدنيا والركون إليها كثيرة جدا، تملأ أبواب

      الرقاق من كتب الحديث النبوي الصحيح. وهي لا تخرج في

      معناها عن التنبيه إلى خطورة النظر القاصر إلى الزمن، والتكالب

      على استنفاد لحظات العمر في عد طول لا يمنع من الموت شيئا.



      والجميل في الأمر أن العرض لا ينقضي بوفاة الإنسان، بل يمتد

      حتى بعد وفاته؛ فلا تجده يشعر ذلك الشعور اليائس الذي يزلزل

      نفسية الكفار، إذ يشعرون عند ذكر الموت بهول "الفناء".



      وقد رأينا كثيرا من علماء الأمة الإسلامية ممن لم يعمر من حيث

      الطول إلا ثلاثا وخمسين سنة، كالإمام الشافعي رحمه الله، ولكن

      ها أنت تراه -بعد وفاته بأكثر من ثلاثة عشر قرنا- يملأ الدنيا

      بالحياة. فهذا مذهبه الفقهي يملأ عرض الدنيا وطولها، وهذه كتبه

      العلمية تملأ كل أعمار الناس. فهل عاش الشافعي بضعا وخمسين

      سنة فقط؟! إنه نظر قاصر لمفهوم الزمن إذن.



      وكذلك الشأن بالنسبة للإمام النووي رحمه الله، الذي لم تزل

      مصنفاته هي مادة التربية الإيمانية لملايين المسلمين، ككتاب

      "رياض الصالحين"، وكتاب "الأذكار"، و"الأربعين النووية"،

      و"شرح صحيح مسلم". فهذا الرجل العظيم قد عاش عمرا مبارك

      ا عريضا جدا، في خمس وأربعين سنة فقط.



      ومن المعاصرين الإمام حسن البنا رحمه الله الذي استشهد عن

      عمر لا يتجاوز الثلاث والأربعين سنة، ولكنه لم يزل يمتد في حيا

      ة الأجيال امتدادا قويا، لا تحده مقاييس الأعمار الفانية.. إنك تراه

      هنا وهناك حيا، يحرك الأحداث المعاصرة، ويهز الحياة الدينية

      والاجتماعية والسياسية هزا في كل مكان. أولئك قوم عرفوا كيف

      يعيشون عرض العمر، ولم يأبهوا لطوله الكاذب.



      وقد وجدنا النصوص القرانية والحديثية تنبه المسلمين إلى هذا

      المعنى العظيم، حيث يملك المرء معه أن يعيش حتى التخمة،

      حياة حافلة بالحياة. يقول الله عز وجل في العبد يستثمر وقته في

      العمل الصالح:

      ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع

      سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع

      عليم﴾(البقرة:261)، وهو ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم

      بقوله: "إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة"(متفق عليه).



      ويموت الإنسان لكن يمتد عرض عمره بعده.

      قال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من

      ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو

      له"(رواه مسلم) وقال أيضا: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله

      أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم

      شيء."(رواه مسلم). وذلك كل فعل الخير الذي لا ينقطع أثره

      بالموت.



      الحياة الاخرة



      ثم إن الإيمان بالحياة الاخرة يشعر المسلم بأن الموت إنما هو

      معبر إليها، فلا يحس في وجدانه العميق بأنه ينتهي بالموت؛

      فيعيش الحياة بذوق اخر، ملؤه العمل والأمل في أن تكون أخراه

      أفضل من دنياه..

      فيا لبؤس عمر يعيشه الإنسان وهو يشعر بأن الموت هو اخر

      المطاف! انظر إلى هذه الإشارة الإلهية في وصف نفسية الملاحدة

      المنكرين للبعث، إذ يقتلهم اليأس، ويدمرهم القنوط.



      قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد

      أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك

      يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾(الأنعام:125)،

      وقال سبحانه: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه

      الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾(الحج:31).

      فانظر إلى هذا الزلزال النفسي، والشعور بالدمار والخراب في

      الحياة! الذي يملأ صدور الكفار، واليأس القاتل الذي يجثم على

      أحلامهم، لما يعيشونه من فقر شديد في العلم بالله. بينما يملأ هذا

      حياة المسلم سعة ورحمة، بسبب ما يتيحه له من افاق أرحب،

      للنظر في الحياة والكون والمصير. وفقدانه يعني فقدان التوازن

      النفسي حتما في التعامل مع العمر.



      هذا الرصيد الوحيد لدى الإنسان، الذي عليه أن يوظفه ليسعد

      أو ليشقى. ودون هذا الفضاء الواسع الرحب لا يوجد إلا اليأس

      القاتل، والخراب المدمر، وهو حال كل منكر للبعث من الكفار

      والملاحدة أجمعين. وما ذلك إلا لأنهم -كما وصفهم الله تعالى-

      ﴿قد يئسوا من الاخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾

      (الممتحنة:13).

      ومن هنا فأنت ترى أن الباب الفسيح الذي يمد عمر المسلم

      بالاتساع، إنما هو مفهوم "الغيب".

      هذا المفهوم الذي تقوم عليه العقيدة الإسلامية بأكملها. فهو الذي

      يملأ حياة العبد العامل أملا، ويغمر وجدانه حياة متدفقة أبدا،

      لا يحدها أجل، ولا تقطعها وفاة!
      250*300 Second
    2. شروق العتمات
      01-04-2011, 07:32 AM

      رد: فــــــــلســـــــفة العــــــــــــمـــــــــــــر‎

      فلسفة العمر‎


      موضوع رائع بكل المقاييس
      ويستحق التقيم عشرات المرات وايضا النجمات


      جزاك الله كل خير
    3. MaLeK-3l -Ard
      13-05-2011, 02:34 PM

      رد: فــــــــلســـــــفة العــــــــــــمـــــــــــــر‎

      فلسفة العمر‎


      شروق

      هلا أختى

      ربى يسعدك وينور دربك

      بتشكرك على مرورك الرائع