123

ديوان الشاعر سعد الحريص

ديوان قصائد الشاعر - ديوان قصائد الشاعره ارسال إلى Twitter ارسال إلى facebook
  1. طير القوافي
    14-09-2010, 02:16 AM

    رد: ديوان الشاعر سعد الحريص

    ديوان الشاعر سعد الحريص




    في ليلة
    ... والمطر يسبل
    ..... مطر بلل بحر ليلة
    ليلة من بلل والريح مبتلة
    .... بها حتى الكلام ابتل

    احس ان الغيوم هموم مزن ..... طاح
    واحس ان الهموم غيوم حزن ...... لاح

    واحس ان المطر
    .... لو مايبلل قلوبنا
    يغسل شقاء الارواح
    واحس الوقت مايمهل
    ولا باقي
    كثر ماراح ....
    واذا كنتي تحبين وتخافين
    تعالي نهيم في دنيا المطر والغيم
    ولكنك ..... تخافيين ........وتخافين .... وتخافين
    وعندك شيء تخفينه ؟؟؟؟؟
    وانا احب المطر وانت تخافينه !!!!!!

    ولا ادري وش سبب خوفك
    ولاظنك بعد تدرين .
    ...
    تخافين المطر .... لايبلل ثيابك

    تخافين الرعد ..... لايرعب احبابك

    تخافين ان لمع البرق في عيونك ..... بان ماتخفين

    ابركض في المطر وابتل ....
    واذا ارعبك المطر ليلة .....
    انا ارعبني الجفاف سنين ....





  2. طير القوافي
    14-09-2010, 02:25 AM

    رد: ديوان الشاعر سعد الحريص

    ديوان الشاعر سعد الحريص


    [CENTER][SIZE="5"][COLOR="DarkOrchid"][CENTER]
    بعض ماقيل عنه

    ديوان الشاعر سعد الحريص




    = توطئة



    قرأت ذات مرة للرافعي – رحمه الله : " وما أنا إلا رجل يقرأ ليكتب ، ويكتب ليقرأ الناس" فهذا السلوك التصاعدي مع الكتابة اندفاع الي الأمام وتطلع إلي المستقبل في اكتشاف القادم الاتي قبل وصوله . لهذا فأنا ومن طبيعتي النفسية أحب التطلع الي الأمام ، وأكره النظر إلى الخلف ، ولا أحبذ التفكير بعقول من سبقوني ، أو التأمل بأدمغة مستأجرة ، وأفضل النظر إلي الفجر حتى وأنا أقف في أحلك زاوية من زوايا الليل ، وأترقب الأمل إذا كنت أعيش في اعلي درجات اليأس .
    ولأننا نهذي في هذا المجال فنحن لا نجيد الحديث إلا عن الشعر أو هكذا نتخيل أنفسنا علي الأقل , والحديث عن الشعر والشعراء أجمل من كتابة القصائد لهم أو عنهم لأن في الكتابة محاولة لاكتشاف ما وراء الكتابة انطلاقا مما يكتب الاخرون .
    والشعر الجيد ., والذي يستحق الاهتمام والمتابعة ما هو إلا عمل فردي يقوم به الشاعر ، لا عمل جماعي يرتكز علي القيود والأنظمة الخاصة ، لأن الأعمال الفردية لا تؤمن بالأنظمة ولا تعترف بالمواثيق ولا تخضع للقيود . .
    الأعمال الجماعية تسعي لإنجاز ما يطلب منها , أما الأعمال الفردية , والشعر علي وجه الخصوص – موضوع الحديث – هدفه الإبداع والوصول إلي الجمال . فالإبداع ارتقاء فوق السائد من الكلام والكتابة بلغة فوقية ترتقي بالذائقة ولا تهمش أو تقلل من حضور الاخرين .
    إن القصيدة عالم منيع يلوذ اليه الشاعر هربا من لهيب واقعه المرير ، ليمارس من خلاله حياته كما يشاء . إنه سجن اضطراري أحكم الشاعر إغلاق أبوابه عليه , ليكتب ويكتب ويكتب , بعيدا عن صخب الاخرين ونزواتهم , وإذا وقع الشاعر فريسة الفخ الاجتماعي السائد , انزلق إلي مكان سحيق . والشاعر سعد الحريص لاذ عن العالم الخارجي ليمارس الطيران في سماء الشعر بعيدا عن كل الاخرين وإن كان يطل علي المجتمع في بعض الأحيان , لكنها إطلالة المتحدي الصارخ الساخط علي عبثية الظروف

    الشعر والقصيدة علي وجه الخصوص انعتاق من الصمت الي الكلام ، ورغبة في التحليق في سماء الكلمة ، وهذا ما نراه في شعر الشاعر سعد الحريص ، فا لإحساس الروحاني تجاه الشعر والقصيدة بشكل أخص وأدق منح نصوص هذا الشاعر أفقا أرحب ، أكسبه قدرة علي التعاطي مع الكلمة الشاعرية والصورة الشعرية المخملية المتموجة الرقراقة التي وهبت مفردات الشاعر مرونة الحركة وحركة الإنتشار . فالقصيدة لدي الشاعر سعد الحريص انفلات من قبضة الواقع وامتزاج في جماليات اللغة بحثا عن الأمان المفقود ، لهذا يحس الشاعر بوجود علاقة لازمة بينه وبين القصيدة ، والقصيدة التي تشكل له مهربا من واقعه المعاش ، تشكل له في المقابل عبئا ثقيلا ينوء به كاهله في محاولة التصدي لكل تقلبات الحياة الاخري ، بدءا بالصمت الذي يشعره بالإختناق ويحاول منعه من ممارسة حقه الطبيعي في الكلام ، ومن ثم إمكانية الحياة والعيش بشكل أوسع .
    النص الشعري في عرف الشاعر سعد الحريص ، بحث عن مجهول ، ورغبة في بناء عالم خاص به بعيدا عن عوالم الاخرين . لهذا يحاول الشاعر تعرية الواقع الهش من حوله ، وكشف كل عيوبه من خلال الإرتماء الإضطراري في سجن إختياري عفوي , ارتضاه الشاعر لنفسه وعالمه الخاص ، محاولا كشف عيوب هذا العالم عن طريق التأمل والبحث بين الزوايا والمنحنيات المتعرجة والضيقة أحيانا ، أو محاولة تلمس هذه العيوب بمشاعره وحواسه ، لهذا يعلن الشاعر الرفض والتحدي لكل أولئك العابثين بالضمير الإنساني ،المعادين لحقوق الاخرين في التعبير والحياة الفنية الانسانية الكريمة
    الشعر بحث عن مجهول ورغبة في بناء عوالم خاصة بالنسبة للشاعر مرصعة بجواهر الجمال وبديع المعاني وجميل الألفاظ مزدانة بالقوافي والأوزان والمقاطع ، بعيدا عن صخب الواقع وتداعيات الحياة اليومية المتسارعة .
    للشعر رسالة حقيقية ضمن رسائله الأخرى المتعددة التي لا تعد ولا تحصي وكل عامل في هذا المجال بمقدوره الوقوف علي رسائل جديدة لم يقف عندها سواه ، وذلك حسب فهمه للشعر وإمكانية تعاطيه معه ، وأجمل الرسائل التي لابد الوقوف عندها في هذه القراءة ، هي رفض السكني بين الوقوف والجلوس في المقاعد الخلفية والإنزواء عن واجهة المشهد الشعري ، والإنكماش حول عقدة ال (( أنا )) الزائفة المهزوزة في الأساس ، والمتشظية سواء في واقعها النفسي او المعيشي لهذا ومهما حاول الشاعر المبدع الجميل ، التقوقع في بؤرة الذات الغائرة غير المرئية في معزل عن الفضاء الممتد، فلن يقدم لنفسه وللناس وللشعر اي شعر جدير بالاهتمام والمتابعة والقراءة الجادة له ، أو حتي مجرد العبور الخاطف السريع من تحت شباك شرفته المنسية .
    ان مقدمة الدخول لأي نص أدبي بالنسبة لذائقة المتلقي ، هي الإمتاع والقدرة الفنية لصاحبه علي الإبداع والإبتكار، لا مجرد الإندهاش ، لأن الإدهاش حالة لحظية انية غير مستقرة , ،قد تخضع لمعطيات معينة قابلة للتحول ومن ثم صرف النظر عن هذا النص أو ذاك فيما بعد . وهذا ملاحظ ومشاهد وملموس في تعاملنا مع بعض النصوص ، إذ نعجب بها أيما إعجاب وحينما نعود إليها ندرك مدي هشاشة هذه النصوص وضحالتها ، لأنها اعتمدت علي الإدهاش لا الإبداع والإبتكار .
    هذا الإبداع والإبتكار هو ما دفعني للوقوف لحظات ولحظات أمام نصوص هذا الشاعر الجميل العذب ، ومهما قلنا عن الحالة التأزمية التي يعيشها الشاعر مع الوعي ، وهو الوعي الشعري والاحساس بالتشظي الداخلي ، والبعد عن الكلمة المعبرة القادرة علي وصف الحالة ، ومن ثم التعبير عنها التعبير الامثل .
    هذا الوضع مع الشعر لم يقترن بالموقف من القصيدة فقط ، بل تعداه الي الحالة الوجدانية والحالة الانسانسة فيما بعد ، فالمحبوبة بالنسبة للشاعر نحس بها ولكن لا نراها في العديد من النصوصه اذا استثنينا بعض النصوص الي قد تدل علي بواكير أعماله الأولي وذلك واضح من أسلوبها المباشر الحاد في بعض الأحيان . اقول نحس بها ولا نكاد نراها عبر الاوصاف الحسية الي شوهت القيمة الفنية للكثير من النصوص الشعرية لدي بعض الشعراء ، التي انساقت وراء الأوصاف دون الإستغراق في التعبير ، أي الحديث عن الأشكال والأحجام والألوان والطول والقصر لدي هذه المرأة أو تلك ، دون الإنغماس في الفضاء الروحي للنص ، والغوص في أعماقه الغائرة لاستجلاب حالات التوهج الشعري والروحي لدي الشاعر , والتي لا يمكن وصفها بكلمات ذات أطر محددة أو سياجات ممغنطة , وإنما استجلابها لا يكون إلا من خلال الحديث عن الوصفات الشعورية والتعابير الوجدانية التي تمنح المفردة اللغوية بعدا اخر وفضاء اخر ، قادرا علي إحتواء الحالة النفسية لدي الشاعر ، أو التناغم علي أدق تعبير مع المتلقي الواعي الذي يعنيه بالدرجة الأولي الحالة النفسية التي وقع بها الشاعر ، وكيف ترجمها لنا ، دون إعطاء تقرير صحفي عن محبوبته التي لا يعرفها أحد ، ولا تعني الكثير من الناس ما عدا الشاعر الغارق في محبتها
    وعند تأملي لنصوص الشاعر سعد الحريص رأيت وجود علاقة حميمة تربط بالشعر انطلاقا من اعتماده علي حالة الموجود الغائب , والتي سوف ينصب جل هذه القراءة على هذه الإشكالية الشعرية في نصوص الشاعر

    = الحالة الشعرية لدي الشاعر

    تناول الشاعر موضوع الشعر بشىء من التفصيل أو التخصيص دون سواه ، وكأنه أحس بضياع الشعر كما يحدث هذه الأيام ، ولا بد من ضرورة الثورة علي أدعياء الشعر وأعداء هذا الكائن الانساني الجميل ، لهذا كانت قصائده تضج بعبارات ومدلولات ذات علاقة بالشعر ، وهو في هذا المجال يعلن الصراع الطبقي بين الصمت والكلام ، وكأنه في هذا الصراع والتحدي يثور بطريقة او باخري علي المقولة الشهيرة " الصمت من ذهب " انتصارا لمقولة شعبية متداولة باستحياء في بعض المجالس " السكوت مزابن العفون " التي تحرض الناشئة علي الحديث والإنطلاق العفوي في الكلام ، وصولا لمراتب الكمال الرجولي ، من الحديث ومقارعة الحجة بالحجة

    أ الشعر باشكال متعددة :

    نظرا لأن حديث الشاعر عن الشعر أخذ أكثر من وجهة , وذهب معه الشاعر عدة مذاهب وطرق ، لهذا فضلت جمع هذه الاشكال ودمجها تحت مظلة هذا العنوان الفرعي خشية التشعب وضياع الموضوع من بين يدي فيما بعد


    تتجذر الحالة بإصرار من خلال فعل الأمر " اكتب " والذي واجهنا في اول البيت ، لدي الشاعر في رغبة البناء والانشاء للعالم الخفي اللامرئي المرتكز علي المشاعر والرؤي ، في محاولة منه في بلورة شعوره الباطني ، وتشييد بناءه اللغوي الخاص به ، والممتد عبر فضائه الروحي المتشبع للحضات الهطول الشعري ، وهو هنا يظهرمدي خوفه من عدم اكتمال هذا الطرح المرسوم في مخيلته ، والخشية في إمكانية إقامته وبعثه من عالم العدم الي حيز الوجود . وهذا هو جوهر الإبداع ، الإستعداد الممزوج بالخوف أثناء عملية البحث عن الموجود الغائب ، الذي هو الشعر المنتشر انتشار النار في الهشيم غير أن الروح الشاعرية الحقة ، هي التي أرقت الشاعر ، لهذا فهو يبحث عنها باستماته في العديد من نصوصه


    يتواصل حديث الشاعر عن استحضار الحالة الشعورية ، وحثها من عالم العدم الي حيز الوجود في نفس النص الذي أوردنا منه البيت الاول السابق في هذه القراءة ولكن بطريقة فيها من الكشف أكثر ما بها من التضمين ، في تصد واضح للواقع الشعري المعوج ، والذي وصفه الشاعر بال " منعوج " وقد أصر الشاعر هنا علي هذه التسمسة ، لأن في استقامته انحراف عن الجادة السليمة للشعر الحقيقي الذي ينشده الشاعر في العديد من قصائده . لقد جاء الشاعر ومن خلال هذين البيتين مدويا كالإعصار الناري " أشب النار " الإعصار الناري الحارق الساحق لكل حالات العبث الشعري باسم الشعر ومحبيه وأهله ، جاد مندفعا من فضاء لا يعرف التعب ولا يؤمن باليأس ، رغبة في إشراق شمس جديدة ناصعة النور وعيا وفكرا وعطاء وقدرة علي المرونة والحركة بعفوية وتلقائية بعيدا عن أهواء الاخرين الذين شوهوا الشعر وأفرغوه من محتواه الجميل
    في هذين البيتين إعلان من الشاعر بأنه شاعر في الوقت الذي يتقمص فيه العديد من الشعراء وجه المصلح الإجتماعي أو يرتدون ملابس رجل الدين ، لهذا كان صوت الشاعر رغبة في حرق أوراق هذه المرحلة , نتيجة لرفضه لهذا الواقع الشعري الهش ، والمتضعضع الأطراف " اشب النار باطراف القصائد " ذلك من أجل إعادة بناء هذا الهيكل الفني والانساني الجميل ، وترميم ذلك المعبد الروحي الذي قتله قصائد اللاقصائد وشوهته أشعار النظم والكلمات الجاهزة التي تأتي سريعا وتذهب بشكل أكثر سرعة ،وهذا ما أوضحه الشاعر في البيت التالي ، الذي يدل علي استمرارية هذا النزف في هذا الوضع الشعري المتدني ، واستمرارية هذا الألم الإنساني الذي يزداد تدهورا وانتكاسة وتشظيا


    ولأن الشاعر يبحث عن الموجود الغائب كما قلنا سابقا ، فهو هنا يوضح انزعاجه من شيوع ظاهرة الشعر الغث ، الشعر الذي سحق الذائقة وشوه الذاكرة ، وفتت الإرادة الفنية عند أكثر الشعراء , نتيجة لتعالي أصوات العابثين الذين شوهوا جماليات اللغة الشعرية ذات الفضاءات الرحبة ، لهذا يعلن الشاعر انقلابه علي نفسه وعلي الواقع ، لعدم قدرته في مثل هذه الظروف المتشظية المهترئة علي فعل شيء يذكر جدير بالبقاء ،وجدير بالاستدامة والتواصل الزمني ، وهذا الكلام لا أعني به الشاعر بل أعني من خلاله كل من هم علي شاكلته من المبدعين من أبناء جيله , والجيل الحالي الذي يحترم الكلمة الشعرية , ويقدرها حق قدرها .
    أمام هذا الطوفان الذي اقتلع المشاعر " الشعر مطرود من قلبي " وفتت الإرادة وشوه الوعي " والشعر مطرود ... من فكري " في تلاعب واضح بالذائقة الفنية للجيل ، والذي كان من المفروض ان يسمو الشعر بهذه الذائقة وينميها ويوجهها الوجهة الحسنة ويعلو بها فوق كل مستوي وعلي كل صعيد .
    هذا الشعور بالانهزامية أمام الواقع الشعري المتدهور الذي يراه الشاعر يزداد انزلاقا ، دفع الشاعر للإعتراف والإستسلام لهذا الإعتراف المجاني غير المدفوع كما يقال , وهذا تأكيد علي وجود حالة الإنشطار الداخلي لديه , التي أخذت مساحة لا بأس بها في مخزون الوعي الباطني لديه , إذ تمكنت من الشاعر , ولعل في هذا الإعتراف , ومهما قيل وما سيقال , فيه نظرا لأن الفشل أول خطوات سلم النجاح , أقول , لعل في هذا الإعتراف محاولة من قبل الشاعر للعودة بنفسه إلي الشعر , بعد أن وجد الداء وتعرف عليه و من أجل حث الذاكرة للنهوض بواجبها المكبوت عن طريق استحضار هاجس الموجود الغائب وهو الشعر الموجود بقالبه العام , والذي يشعر به الشاعر ويدركه ويحس به , غير أنه في واقع الأمر غائب , غائب في مضمونه الجوهري رغم حضوره الهيكلي الشكلي لديه , غائب في وعيه , وفي حضوره الفاعل والفعال , رغم تواجده الهندسي ثلاثي الابعاد الوزن والبيت والقافية .





    تابع

  3. طير القوافي
    14-09-2010, 02:27 AM

    رد: ديوان الشاعر سعد الحريص

    ديوان الشاعر سعد الحريص


    في هذا النص الذي كنا بصدد الحديث عنه في الكلام المنصرم , وعن البيت السابق الذي اقطفناه قبل قليل يستمر حديث الشاعر عن رب خياله الساحر الفاتن الذي أخذ منه حيزا بينا من اهتماماته الشعرية, وهذا ما ساعدنا علي الحديث عن هذا الجانب الحيوي الهام في تجربته الشعرية الفريدة , ففي هذا البيت الذي اوردناه انفا يؤكد لنا الشاعر علي رسوخ حالة الموجود الغائب في شعره الذي نحس به ولا نراه كما ينبغي وأمام هذا الإحساس المتأزم في تعامل الشاعر مع الشعر وشعوره , نلمس افتقاده لجماليات ذالك الكائن الجميل , وتلاشيه عن الانظار , مما يشعر هذا الوضع الشاعر بأنه واقع بين مفصلتين , مفصلة الغرور ومفصلة النزعة الإنسانية , وفي هذا التزاوج بين الشعورين تقع المشكلة لدي الشاعر , وهي عدم القدرة علي تحديد الأولويات انطلاقا من عدم القدرة علي تحديد المبدأ , وهذا دليل علي عدم قدرته علي وصف حالته الشعورية أو تحديد هذه الرؤية نظرا لضبابية المرحلة الشعرية التي يعيشها الشاعر هذه الايام , الامر الذي جعله بعد ذلك غير قادر علي إمكانية التعبير عن هذه الحالة التعبير الامثل .
    هذا الإحساس المتأزم مع القصيدة ، يوضح لنا ما ذهبنا اليه من تواجد الشعر بشكله الهيكلي الشكلاني علي حساب المضمون ، وهو الغناء للناس والدنيا لا الغناء للذات "غنيت للناس والدنيا .." , أما جوهر الشعر ومضمونه , فهو غائب في دفتر الشاعر المعادل لنفسه ولذاته ولعقله الباطني الذي امتزجت به مشاعر الغرور والانسانية , والتي وصفناهما بالمفصلة ، وذلك لحدة وقعهما في النفس، وهما سلوكان متضادان لبعضهما البعض ، وفي هذا الامتزاج الشعوري غير الواضح , حتى من قبل الشاعر ، تأكيد لحالة الغياب ، غياب الشعر الجميل عن الأنظار المنزوي بين الضمائر " الدفاتر " , لأن المجتمع " الناس والدنيا " لا يريدون من الشعر إلا كل ما هو ليس بشعر ، انطلاقا من كون القصيدة الحقيقية سجن اضطراري يمنح الشاعر التحليق في سماء الإبداع , بعيدا عن أي مؤثرات خارجية أو أهواء إجتماعية .


    هذا الموقف الذي اتخذه الشاعر من الشعر في نفس النص الذي كنا في صدد الحديث عن أبياته الثلاث السابقة ، تتضح أبعاده النفسية بعد أن أحس الشاعر بالإفلاس ، وهو عدم القدرة علي التعبير الأمثل بالنسبة لنفسه في الدرجة الاولي ، ومن هذا المنحني نستطيع تعميم هذا الرأى علي أقرانه من الشعراء من أبناء جيله وعدد من أبناء الجيل الحالي ، عدم التعبير الأمثل عن حالته النفسية ، أوقعه في إفلاس روحي نتيجة للإفلاس اللغوي ، وهو الشعور بعقدة الملل ، والملل من اقسى العقد النفسية التي يواجهها الانسان في حياته ، فما بالنا بشاعر قادر علي التعبير عن مكنون نفسه بقدرة وتمكن واقتدار ، غير أن حال تشظي الشعر وضياع القيمة الفنية في عيون الكثير من المهتمين بهذا المجال هذه الايام ، دفعت هذه الاجواء المتأزمة , نقول دفع الشاعر إلى التلذذ بالاستكانة لهذه العقدة النفسية ، التي جعلته يضجر من كل شيء جميل في هذه الحياة ، مثل الشعر الذي يعتبر الشريان اللغوي النابض ، القادر علي اسماع الاخرين اصوتنا وصرخاتنا وتنهداتنا ، وما دام الملل تسلل الي هذا الكائن الجميل ، واستطاع السيطرة من خلاله علي الشاعر , كان اصطياد الحب في هذا المجال نتيجة حتمية لاصطياد الشعر لهذا كان في إعلان هذا الملل ، وبهذه الطريقة التي لا تحتمل التأويل ،إعلان إفلاس من قبل الشاعر ،إفلاس وجداني ونفسي ، بدأ بالشعر وانتهي بالحب . إن الشعور بالضجر من الحب ، الذي يعتبر من أجمل النعم الإلهية للخالق سبحانه على الإنسان ، وموافقته لهذا الإفلاس الوجداني الروحي إفلاس فكري والتشظي على مستوى الوعي والإحساس بتفتت الإرادة الثقافية المعرفية لدي الشاعر , وذلك عندما يئس من الشعر وكتابة الشعر ، الذي يعد بمثابة واجهة الإنسان الثقافية ، ولاسيما للشعراء علي وجه الخصوص .
    هذا الموقف من الشعر ، الموقف التأزمي الإشكالي من كتابة القصيدة رغم استسلامه الظاهري الواضح ، إلا أنه من الممكن اعتباره حركة تحفيزية للذات ، لتحفيز الذات علي البحث عن فضاءات أكثر رحابة لاستحضار دور الشاعر الغائب ، الشاعر الذي ترك الميدان الشعري لسواه . هذا السلوك دفعه لرفض نمط الحياة الإنسانية السائدة ، عندما أعلن ملله من الحب ، في محاولة منه للخروج علي واقعه المعاش من أجل إعادة صياغة هذا الواقع بشكل أكثر تنظيما , وأكثر توافقا مع ذاته الباحثة عن الشعر المفقود .
    رغم عدم إستئناسي حقيقة بإقحام مفردة الشعر أكثر من مرة في هذا البيت ، التي قللت من جمالية البيت في رايي ، غير أنني أكاد أفهم موقف الشاعر ، ولعل هذا الاجراء جاء نتيجة لهذا الشعور النفسي الذي يعيشه الشاعر . ان هذا الشعور العلني بالرفض , رغبة غير معلنة للبحث عن فضاء شعري غير موجود ، شعر غائب عن الأنظار ، فهذا الرفض العلني للشعر وافقه رفض اخر متناغم معه ، وهو رفض لكل حالات الحب القادمة مع هذا الشعر الذي لا يمت لهذا للشعر بأية صلة ، وكأنه يريد القول : كل ما بني علي باطل فهو باطل ، حتي الحب الذي نراه متداولا في شعر هذه المرحلة ، ما هو الا حب مزيف ، وما إقحامه لمفردة " أنا " التي تكررت مرتين مرة في الشطر الأول ومرة في الشطر الثاني ، إلا محاولة من الشاعر للقيام بدور غير دوره ، وهو دور الانسان المصلح أو المرشد الاجتماعي الذي يري أن من واجبه القيام بمثل هذه الإرشادات والدعوات الإصلاحية ، عندما يري أن الفساد انتشر بين الناس ، ورغم عدم رضاي عن هذا الدور وهو خروج عن دور الشاعر الممتع المبدع ، لكنني أكاد أتفهم موقف الشاعر, رغم عدم إسنئناسي بهذا الدور اللاشعري الذي قام به الشاعر ، لان هناك فرق بين الشعر والإصلاح ، وهناك فرق بين الشاعر والمرشد ، وإذا تقمص الشاعر دورا غير دوره ، فلن يقدم لنفسه أو للاخرين أي شعر يستحق القراءة ، أو من الممكن إطلاق مسمي شعر عليه ، وهذا ما يقع به بعض المنتسبين للشعر ، وهي تداخل الخواص أو تبادل الأدوار : لهذا من أقبح الأشعار شعر العلماء كما هو واضح في نتاجهم المنشور في الكتب أو الدواوين .


    هذه الأبيات الثلاثة صرخة مدوية في وجه الواقع المرير الذي تشظي فيه الشعر ، وفقدت الكلمة المعبرة الصادقة قدرتها علي الوقوف أمام إعصار الفوضى المستشرية هذه الايام ، وفاقمت من تأزم الأوضاع المتردية في الأساس ، وسحبت الشعر إلى مكان سحيق ، بعيدا عن هموم الإنسان وأحلام الشعوب بالحياة الإنسانية الكريمة.
    في صخب الحديث عن شعر اللاشعر , القائم علي الوصف والتوثيق والتعامل الظاهري مع المفردات الشعرية دون الغوص في أعماق الذات للوصول الي الشعر المخبوء بين الضلوع والحنايا , وفي مجاهل العقل الباطن ، يتمني الشاعر امتلاء الحياة من حوله ، سواء الحياة الظاهرية " الكراريس – القراطيس " أو الحياة الباطنية الدفينة بين الحنايا كالقلوب المعبر الأول والوحيد عن الشاعر ، الشاعر الانسان لا الشاعر المجتمع ، لهذا يتمني ان تكون أجزاء القصيدة الصغيرة كالمباني الشاهقة حينما تزين وجه الارض ، وفي هذا الكلام رغبة بتكثيف حالة الحضور الشعرية لدي الشاعر وامتداد هذه الحالة علي مسطح كبير من اهتماماته ونفسه الغارقة بحب الشعر
    إن استخدامه لأداة استفهام واحدة قام بتكرارها في أول الشطرين من البيت الأول , لدليل علي إصرار الشاعر المحموم بضرورة الخلاص من هذا الوضع الشعري الخانق , الذي قتل الروح الشاعرية في نفوس الكثيرين , وهي محاولة لتكثيف من حالة حضور الموجود الغائب ، الشعر الموجود في شكله وهيكله العام ، الغائب في مضمونه الحقيقي ، وروحه الهائمة الباحثة عن جماليات المفردة الشعرية الفاتنة . هذا الاحساس التأزمي الذي يستشعره الشاعر بسبب هذه الأوضاع المتشظية التي شوهت قيم الشعر ، جعلت الشاعر ينساق وراء سراب التمني لخلق حالة من الانسجام بينه وبين ما يريد الوصول اليه , رغبة في التخلص من هذا الوضع الإنزلاقي اللا شعري , الذي يعيشه الشاعر في زمن تاكل الشعر من الداخل ، رغم حفاظه علي هيكله العام ، حيث أعلن حكمه الصارم القائل بان الشعر الجميل ليس كل ما هو مكتوب او متداول ، وذلك لتأكيد رفضه لكل حالات التعامل التراثي المقيتة مع الشعر , التي اختصرها بالمدح , كما فى البيت الثالث لتوضيح مراده من المفردة " قراطيس " الموحية بالقدم والاستعمال اللا شاعري , إذ يقسم " والله " بعد أن أعلن مبدأه الشعري العام الواضح , بأن هناك فرق شاسع بين شعر المديح , شعر اللا شعر , شعر المصالح الإنسانية الأنانية , الراغب صاحبة بأستدار جيوب الاخرين لا استعماله ذوائقهم الفنية , أو مناجاة عواطفهم الإنسانية النبيلة وبين الشعر الذي ينبع من صميم الروح , وتعب المعاناة الحقة التي لا تعرف الزيف أو الخداع
    لعل ما حرض الشاعر علي نهج هذا النوع من الكتابة هو الإحساس بالحرمان , حرمان الشعر والإحساس بفقرة إلى المفردة الشعرية الجميلة الجديرة بالبقاء , هذا الشعور لا يأتي من فراغ , بل هناك قوة تدفعه إلى الظهور , إنها قوة الحزن والخوف من ضياع الشعر بالنسبة إلى الشاعر فى الدرجة الأولى , فالحزن والحرمان عاملان قويان للكتابة , ولا سيما كتابة الشعر , وهذا الوضع لا يتأتى إلا من الشعور بالاغتراب , سواء الاغتراب الخارجي , نتيجة لتعاطي الشاعر من الواقع من حوله او الاغتراب الداخلي الذي يعيشه الشاعر مع ذاته , ومع شعره , وهو المحرك الأساس والحقيقي لكتابة اى نص شعر جدير جدير بالاهتمام والمتابعة


    هذا البيت رغم بساطته الواضحة وتقليديته المكشوفة , حتى فى طريقة حديثة مع الاخر المقابل للشعر " راعى المناقيد " المشابهة للصاحب او الخليل , أو العذول الحاسد كما فى النهج الشعرى القديم , ففى هذا الكلام تأكيد من الشاعر أن الشعر محاولة استنهاض للشعر من عالم الغيب والعدم , أي البحث عن المجود الغائب فى الوقت الذي يحرص فيه الكثير من الشعراء فى هذه المرحلة على التلذذ بكتابة النصوص الجاهزة , التي وصفها الشاعر هنا بال " بضاعة " معتبرا أن الشعر الحق ليس سلعة يتداولها التجار أو أصحاب الفكر النفعي , وهنا امتهان لكل شاعر يتعامل مع الماديات والأشكال القديمة والقوالب الثابتة , واصفا كل شاعر يتعامل مع هذا المنهج الا شعري بال " تاجر " الذي لا ضمير له ولا حس إنسانى لديه, وإنما يتعامل مع الأشياء من حوله من باب الربح والخسارة , وفى هذا الكلام إشارة للشعراء المداحين الذين أخذوا الشعر تجارة يتبضعون بها ويستجدون عن طريقه اكف الرجال وجيوبهم .


    استرسال الشاعر فى الحديث عن الشعر , والكلام اللا منقطع عن عالم القصائد تأكيد على احترامه لنفسه , او تقدير لتجربته الشعرية , او حرصه الشديد على خلق هذه الروح الحميمة بين الشعراء والقصائد , من أجل الإحساس بضرورة التعامل الفني الجميل مع هذا الكائن الإنساني الروحي الرائع , وعدم النظر إلية نظرة لا تنسجم معه , ومع دورة الحياة والمجتمع , لهذا أعلن الشاعر عدم استعداده الإنقطاع عن الشعر لأنه رسالة إنسانية فنيه هدفها تهذيب الشعر من الشوائب العالقة فيه , , والعمل على الرقى بجماليات النصوص الشعرية بعيدا عن الهشاشة التي اعترت ساحة الشعر الشعبي , وفى هذا الاتجاه قام الشاعر بتوضيح خشيته من سيطرة " المجاعة " التي تعادل فقد الروح الإبداعية لدى الشعراء وجفاف تجاربهم الشعرية أما هذا الركود الفني للشعر , والذي وصفه ب " المجاعة" , وكما نفهم من المجاعة عند الشاعر كذلك , شيوع الفوضى فى الشعر , وانتشار الفساد الشعري الذي سيقتل " الجوع " الذي يعتبر بمثابة المحفز الخفي للكتابة , والمحرض على البحث عن حياة شعرية أفضل . و " الجوع " هنا هو جوع الكلمه وظمأ الفكر وضمور التجربة , أمام هذا الطوفان العنيف المتمثل ب " المجاعة " .


    هنا يدخل الشاعر تحت مظله مدرسه " عبيد الشعر " المعروفة في الأدب العربي , المعتمدة في الدرجة الكبرى , على صناعة الشعر وتهذيب النصوص الشعرية قبل إذاعتها للجمهور , كما هو الحال مع زهير بن أبي سلمى والحطيئة و أشباههما من الشعراء الذين يكتبون القصيدة, ويهذبونها فى سنه كاملة , إذا صدقت الروايات التاريخية عنهم , رغم اعتراف الشاعر بأن الشعر عنده حاله داخلية , كما صرح في أول البيت " شعري شعوري " , فهذا الإحساس النابع من الداخل الإنساني الوجداني , هو الذي يحرض الشاعر على الكتابة , لا الشاعر الذي يقوم باستحضار لحظة الهطول الشعري, فالشعر لدى الشاعر فى المقام الأول , رغم دخوله للوهلة الأولى تحت مظلة مدرسه " عبيد الشعر " أقول , فالشعر لدى هذا الشاعر يعتبر حاله شعورية نابعة من الداخل الوجداني " شعري شعوري " وكذلك قوله " الشعر عندي روح " , ثم تأتى بعد ذلك المهارة والحذاقة والتعنت بضروب الكلام فيما بعد , " صانعة ما صنعني " و" قبل الصناعة ", وهذا دليل على تدخل الهاجسين , هاجس الشاعر المبتكر , وهاجس الماهر الصانع . , وهناك فرق بين الاثنين , فالشاعر يتعامل مع استجلاب أشياء من العدم , بينما الصانع يتعامل مع أدوات جاهزة وموزعة أمامه , ولا دور له إلا من خلال القيام بتنسيق هذه الأشياء وصفها , ثم الإتيان بأشكال جديدة وفق الأدوات المتاحة له , وهو هنا يعترف بانتمائه لتلك المدرسة , مدرسة " عبيد الشعر " الذين يكتبون القصيدة الحولية , حيث يعيدون النظر بها أكثر من مرة إلى أن يقتنعوا بجوازها أدبيا , ومن ثم يقومون بنشرها بين قبائل العرب , والشاعر عندما يتقمص هذا الدور أو شيء منه , سواء علم بهذا الأمر أو لم يعلم , أو أن سياق النص وضرورة القافية ما دفعه لهذا المنحني ، يدخل تحت هذا المسمي ولو بشيء من التحفظ ، ومهما يكن في الأمر ، فما يعنينا حقيقة , تعاملنا الواضح مع هذا الكلام , بصرف النظر عن الموقف الحقيقي للشاعر من هذا الكلام.



    تابع

  4. طير القوافي
    14-09-2010, 02:29 AM

    رد: ديوان الشاعر سعد الحريص

    ديوان الشاعر سعد الحريص



    في هذين البيتين يعود الشاعر إلى سعد الحريص الذي عرفناه في هذه القراءات ، كشاعر محلق باحث عن الجمال الإنساني والإبداع الفني ، بعد أن كدنا نفقده في مدرسة " عبيد الشعر " التي دخل فيها بطريقة عيشيه او أدخلناه لها بشكل قسري ،وأيا كان السبب أو المسبب ، يظل الشاعر كما عرفناه يبحث عن الشعر ، وعن الموجود الغائب .
    ارتباط الشعر بالمحبوب أجمل أنواع الارتباط ، فهو – أي الارتباط – تكريس لحالة الموجود الغائب الذي يمنح الشاعر فضاء رحبا في البحث عن الجمال من خلال استجلاب كل كوامن الحب والإبداع في داخل الإنسان للوصول إلي ما يريد . ففي حالة فقدان المحبوبة تفقد القصائد ميزتها ، فالقصائد هي روح الإنسان وقلبه النابض ، باعتبار حب المرأة مرتبط باستحضار حالة الهطول الشعري ، لان الحب هو المحفز الأقوى لكتابة النصوص الشعرية ، ولا يكون للشعر أي قيمة ما لم يكن كتب من أجل المرأة .
    هذا الشعور بالحميمية الذاتية مع الشعر نابع من الإحساس بلذة جمال الحب والاتصال العاطفي بالمرأة المحبوبة ، الذي فجر ينابيع السحر المتمثلة في كتابة الشعر ، لهذا كان الشعر مثل الحب أو كان الحب مثل الشعر ، أي أنهما وجهان لعملة واحدة ، اسمها الشعر الذي فقد الإحساس بالتوازن ( ماني بأمان ) سواء التوازن الداخلي أو الشعور باهتزاز صورة الشعر أمام ناظريه " والقصائد ما عادت منبرية " , وذلك عندما فقد الإحساس بوجود المحبوبة ، وضياع الشعر والمرأة من بين يديه .
    الحرمان محفز لتفجير طاقات الحب والحرمان كذلك محفز قوي لكتابة النصوص الجميلة ، وفي هذين البيتين امتزج الحرمانان , حرمان فقدان المحبوبة " من فقدتك " الأمر الذي يعكس شعر الشاعر وقدرته في التعاطي مع النصوص , وحرمان الإحساس بضياع الشعر " والقصائد ما عادت منبرية " لهذا كان الشعور المكبوت في نفس الشاعر هو ما دفعه للبحث عن الغائب المفقود ، و الذي أكثرنا الحديث عنه , وهو الموجود الغائب , والموجود الغائب هنا اثنان , المرأة التي يخاطبها الشاعر , والقصائد التي يناجيها , والتي يشعر بوجودهما الجسماني الهيكلي , ولا يحس بوجودها الروحي معه ، لهذا امتزجت في داخله كوامن الحب " كنت احبك " , ونزعات الإبداع " وكان الشعر كان " , فخرج لنا هذا الشعر الجميل المفعم بالعاطفة الإنسانية والحميمية الذاتية مع الشعر .


    البحث المتواصل عن الموجود الغائب , هو ما دفع الشاعر إلى هذا الاعتراف، , وهو اعتبار أن الشعر ما هو إلا صراع لعبور دوامة " الألم و المرارة " . في هذا الجو المشبع بالضبابية تبقى عملية استمرار التواصل مع الشعر , لكنها لم تصل بالشاعر الى ما يريد , وهذا هو أجمل ما في الأمر ، فليس الجمال بالوصول إلى ما نريد , بل في سلوك طريق البحث , وفي مكابدة المسيرة للوصول إلى ما نريد , لان في الوصول ينتهي كل شيء ، ولا يكون للحياة اي معنى بعد ذلك . أما في هذا المسير الأزلي " من حرفك الأول الى حرفك الألف " هو الشعر , وهو المحرض, و المحفز لكتابة الشعر تحت هجير البحث عن ذلك الموجود الغائب الذي تطمح له النفوس .
    الغائب , سواء إن كان شيئا أو لا شيء , يتم البحث عنه , ولا يمكن تصوره أو تخيله لأنه غير موجود في الأساس , و لا نستطيع تحديده إلا بعد مخاض عملية الخلق , وابتكاره من عالم العدم ، أما الموجود فهو شيء ذو حدود و أشكال و ملامح , لا تتطلب عملية البحث عنه أي مهارة , لأنه موجود و ملاحظ , ومن الممكن التعامل معه , لهذا يميل الشاعر إلى التعامل مع الشعر بشيء من الارتقاء للوصول إلى الشعر الغائب عن القلوب , رغم وجوده الهيكلي المجسم المحدود الماثل أمام العيون.


    طال حديث الشاعر عن حالات الشعر ، وعن هطوله من عالم الغيب و استحضاره من مجاهل العدم , إلى حيز الموجودات , في حركته الدائمة في البحث عن هاجس الموجود الغائب , وها هو يتواصل معه الحديث عن الشعر , وعن كتابة القصيدة ، معلنا أن شعره خالص لوجه الشعر " ما له حقوق " , أي أنه في تفسير اخر أن الشاعر قد تخلى عن أي حقوق , ومستعد لتقديم أي واجبات تطلب منه إذا سلمنا بفرضية الحقوق والواجبات في عالم الشعر وكأن الشاعر أراد هنا ضرب أروع الأمثلة لنا على نزاهة شعره وخلوه من الشوائب ، فالشعر عنده عطاء في كل الأحوال , يأخذ من الشاعر الشعر ويمنحه للاخرين ، أي أنه يعطي ويمنح و يهب الاخرين الإبداع والإمتاع الشعري , دون أي مقابل أو أي مساومات.
    إن إحساس الشاعر في تعاطيه مع القصيدة الشعرية , يدفعه ضمير حي من قبل الشاعر , فمهما كان الإحساس وطيدا , فلن يكون مؤثرا ما لم يكن وراءه ضميرا يوجهه الوجه السليمة , لان الضمير أنبل مقومات الروح


    = الصمت وإشكالية التأصيل

    الصمت ملاذ الضعيف وكوخ المستسلم البائس , والكلام أولى من الصمت وهو في مقدمة التواصل الإنساني " قل خيرا أو ....... اصمت ", ولو كان الصمت أفضلية على الكلام لما قدم في هذا الجانب ، وفي جوانب أخرى من جوانب التواصل الاجتماعي والبشري ، ولو كان للصمت مزية وأفضلية علي الكلام لما فضل الإنسان المتكلم أي اللا صامت علي ما سواه من المخلوقات الصامتة.
    القران الكريم وكتب الأحاديث النبوية المطهرة والكتب الإنسانية الأخرى , التي تعج بالكلام المكتوب والأشرطة المسجلة المليئة بالكلام المسموع ، ماذا سنفعل بها إذا كان الصمت خير من الكلام ، إذا استسلمنا ببلاهة وسذاجة لهذا الأثر الشهير " الصمت من ذهب " دون تفكير أو تمحيص أو معرفة لمسببات هذه المقولة . وهل كل قول مشهور يستحق التميز ؟؟!! . هل الصمت أوصل لنا النتاج الإنساني الفكري ؟؟!! . هل الصمت علمنا الشعر ؟؟!! . هل نصلي بالصمت ؟؟!! . وهل صلاتنا جائزة إذا لم نقرا فيها شيئا ؟؟!! . هل يفهمنا الناس بالصمت , أو نفهمهم من خلاله ؟؟!! .
    إن تقديس الصمت نابع من سطوة الزمن علينا ، واستسلامنا لكل قادم من التاريخ ، ولان أرباب " الصمت من ذهب " تقلبوا علي أصحاب " السكوت مزابن العفون " , هو ما جعل الناس تميل لتقديس الصمت , وتبجيل السكوت , حتى ذلك الذي لا يكون في مكانه , وقد ينتصر الباطل علي الحق , ويسحق الكفر الإيمان " قتل أصحاب الاخدود " غير أن الله وصف موقف المؤمنين في نجران بالفوز الكبير رغم هزيمتهم المادية . وعلى هذا الأساس , فإن شيوع المقولة الأولى , وانتشارها علي حساب المقولة الثانية , ليس دليلا علي تميزها وتفوقها الحقيقي , نظرا لمصداقيتها ، بقدر ما هو عدم انتصار للمبدأ من قبل من أطلقوا المقولة الثانية , وعدم القيام بتوضيحها التوضيح الأنسب .

    ب الشعر في مواجهة الصمت :

    النص الشعري الجيد , هو القادر علي البحث عن الغائب لا مخاطبة الموجود ، دون الاستغراق في التخيل ، لان في هذه العملية استنهاض لمكونات الخيال وتفجير لطاقات التخيل من أجل ذلك الشيء المتولد من اللاشيء ، وبعثه الي حيز الموجودات , من عالم العدم . أما الحديث عن الموجود لا يتطلب الأمر حث الخيال وإطلاق عناصر التخيل ، فهذا العمل الشعري , أشبه ما يكون بعملية بحث مادية صرفه , يغلب علي أسلوب شاعرها الكلام التقريري المباشر .

    يصرخ بقلبي صوت
    حزين حتى الموت


    فحالة الذوبان الداخلية التي نراها في العديد من نصوص الشاعر سعد الحريص ، تأكيد علي مدي رسوخ الذات الموجودة الغائبة في مخيلة الشاعر وفي وجدانه المسكون بالألم ، لهذا كان الصراع الداخل / الخارجي في ان , الذي رأيناه في عبارة الشاعر ،وفي هذا المقطع المجتث من نصه الجميل عن الأسري وقضيتهم الإنسانية ,والمفقودين الكويتيين على أدق تعبير , ما هو إلا استكمال لحالة الحضور العام والخاص لموضوع الأسري وقضيتهم الإنسانية , التي تلاشي مع تقلبات السياسة ، وبصرف النظر من كون هذا الصوت الصارخ من وراء الأعماق ، أعماق الشاعر , استشعار سبق زمنه , قبل أن تلف هذه القضية ملفات النسيان . نكاد نفهم مدي تفاقم إشكالية الشعر والصمت , لدي الشاعر , وأن الشعر ما هو إلا ى محاولة لتفجير الصمت , أو كون الصمت محفزا لكتابة القصائد كما سيظهر معنا فيما بعد .


    في هذا الكلام تصوير للصمت بمثابة الجرح الفاسد , الذي توقف صديده ولا علاج له إلا بجرحه مرة أخرى , وبعث الروح في هذا الجزء من الجسد . إن هذا الإجراء الشعري من قبل الشاعر دليل رغبته علي إعلان ميلاد جديد للشعر , أو لعله أراد تصوير الصمت بالجزء الفاسد من جسم الإنسان ولا خلاص لبقاء الجسم ككل متكامل , إلا ببتر ذلك الجزء , أي ان الصمت والشعر كيانان لا يجتمعان في وجدان واحد . وأيا كان التصور نكاد نتفهم مراد الشاعر الجانح إلى رفض الركون تحت وطأة الصمت ، والرغبة في الخروج عليه , والتخلص منه أخر المطاف .
    هناك صراع شبه مرير بين الشاعر والصمت , يدور في اغلب هذا الاتجاه من تعامل الشاعر مع الصمت المتناقض مع روح الشعر وعبق الحديث . في هذا الإصرار المرتكز علي ثلاثة أفعال وهي "اقطع – اقرع- اضرب " , إنما دليل علي عمق إصرار الشاعر علي كسر هذا الحاجز النفسي الخانق المتمثل بالصمت , وهو أسلوب جذب إلى الوراء وقتل للحديث , وفي هذه الأفعال الثلاثة المضارعة الموحية بالحركة وعدم الاستقرار في مكان واحد , رغبة بسحق الصمت والقضاء عليه , إنه يريد القضاء علي الصمت بالشعر والانطلاق في الحديث " صوت كما حد موس " , وذلك من أجل إيقاظ روح الوفاء في قلب الشاعر بالدرجة الأولى , وبث الحياة الإنسانية فيه بعد القضاء علي كابوس الصمت ... نعم ,, من أجل إيقاظ روح الوفاء للذات وللشعر وللحب وللناس المتعطشين للشعر , ومن ثم بعد ذلك الاندماج في صخب الحياة العامة عن طريق " واضرب مراويسها " , لهذا أراد الشاعر من هذا الخروج العلني علي الركود , تحقيق انتصار لنفسه الرافضة للصمت وللسكوت , كما مر وسيمر معنا , في أثناء تناولنا لهذا الجانب الحيوي من شعر الشاعر .
    هذه الرغبة في التخلص من عائق عدم الانطلاق والحديث بعفوية , تدفع الشاعر للبحث عن مفردات لها حد السكين , أو اشد من السكين كال "موس " , والموس كما يعرف الجميع , الة حادة جدا , استخدمها الشاعر هنا كمؤشر لقطع كل صله له بالصمت , وللتخلص من هذا الكابوس النفسي البغيض



    تابع

    [/COLOR]
  5. طير القوافي
    14-09-2010, 02:30 AM

    رد: ديوان الشاعر سعد الحريص

    ديوان الشاعر سعد الحريص


    الصمت يشكل للشاعر عبئا ثقيلا علي صدره ، لأنه يحاول في كل مرة الوقوف أمام رغبة الشاعر في الانطلاق والانعطاف من السكون الموجع . هذا الموقف جعله يشعر بوجود علاقة تأزمية بينه وبين القلق ، وأنهما يدوران في حركة بحثا عن الاخر ، وهو ما بين الركود والصمت والانطلاق في الحديث ، اشتعلت كل كوامل الشعر لديه ، بدءا بالدفتر ، الوطن الخارجي أو الوطن الثاني للشعر بعد المستقر الأول , القلب والمشاعر ، وانعطافا علي الصمت الموجع المحرض علي البوح والإنعتاق من عبودية الصمت إلى فضاء الكتابة وصولا إلى البكاء الذي يمثل الشعر أو بمثابة اعلي درجات الشعر , لان البكاء معاناة والشعر الجميل المتولد من هذا الإحساس , لا يمر إلا بمعاناة , ففي البكاء يفقد المرء السيطرة علي مشاعره والتحكم بأحاسيسه . الشعر هو عملية تفجير لهذه المشاعر وتلك الأحاسيس .
    حياة الشاعر بالتحليق , والتحليق لدي الشاعر لا يكون إلا بالغناء والتغريد , و التغريد لا يتأتى له إلا مع الشعر ، بهذا كان الصمت لدي الشاعر وجعا خانقا يطبق عليه كالكماشة ، بشعا لا بد من مقاومته بالشعر كما سيظهر معنا فيما تبقي من نصوص الشاعر في هذا الجانب الحيوي من تجربته الشعرية الفريدة . أمام هذا الشعور الفطري والتعاطي مع الشعر يعلن الشاعر استحالة نسيان الكتابة أو ترك عالم الشعر " نسيت القلم والا القلم صعب ينساني " , في إيضاح بين أن الشعر بالنسبة للشاعر حياة أخرى لا يمكن الاستغناء عنها .
    في دوامة هذا الصراع والموقف المتأزم , لدي الشاعر بين الصمت وحب الكتابة والانطلاق في الشعر , يدرك الشاعر صعوبة السكوت وعدم التحليق في سماء الإبداع " ما بين أفضحك مستور وإلا أسترك مفضوح " , إلا بالإصرار ، مؤكدا أن العلاقة بين القلم والدفتر كالعلاقة بين السحاب والمطر أو الغيم والأرض ، وانه لا حياة لأي واحد منهما دون وجود الاخر .
    حالة الخروج من الصمت من أجل العيش بين أفاق الكتابة , ومناجاة القلم والحديث مع الدفتر ، ما هي إلا رغبة محمومة تنتاب الشاعر في صراعه الدائم , بحثا عن الموجود الغائب ، الذي يتعامل معه بشكل تلقائي في الوقت الذي يحرص فيه الشاعر علي استجلابه من عالم الغيب والعدم ، ليكون حدثا ماثلا أمامه يستطيع التعامل معه دون أي حواجز نفسية


    صراع الشاعر مع هذا الشيء المقيت " الصمت " بالنسبة له ،ولنا كمتابعين وكقراء أو كمعجبين بشعره ، أشعرنا كما أحس به الشاعر قبلنا بأن الصمت أداة ذبح وقتل للشعر ، وأد له قبل خروجه إلى حيز الوجود ، غير أن هناك عوامل خارجية ساعدت علي تفجير هذا الصمت وسحقه فيما بعد ، ألا وهي, العيون التي وصفها الشاعر هنا وصفا تقليديا جافا لا ينم عن شاعرية ، فمقولة " فشق بندق " , فيها من البشاعة النفسية الشيء الكثير ، التي لا تتناسب مع سحر العيون وفتنة الأهداب ، لا سيما عند شاعر عرفناه رومانسيا في شعره ،وإنسانيا في شعوره ، ولا تحلو هذه الأوصاف إلا عند الشعراء التقليدين السطحيين .
    رغم أنني لا المس في هذا البيت أي نفس شاعري في الدرجة الأولى ، أو بأدق تعبير لا المس شاعرية سعد الحريص ، التي عرفتها عن كثب من خلال نصوصه المكتنزة بالجمال ، غير انه يمكنني وضع اليد علي موقف اخر من مواقف الشاعر التأزمية مع الصمت ، وكأنه يريد إيضاح ، أن هناك علاقة بين الصمت والقطا ، وان متعة الصمت لا تكون إلا بانطلاق الحديث وخروجه علي صرامة السكوت القاتل ، وان جمال طيور القطا لا يمكن الاستمتاع بها إلا عن طريق عملية الصيد، وقنصها وهي طائر محلقة في الفضاء البعيد ، وقد أكد هذه العلاقة وجود مفردة " الذبيح " التي تدل علي أن الاثنين لا يمكن أن يعيشا بشكل طبيعي في جو واحد .
    الصمت ضد الشعر و " فشق بندق " ضد القطا , وأن الصمت هروب من الواقع ، والقطا أثناء عملية الطيران هروب من الموت ، والشعر إنعتاق من رتابة الصمت ، و " الفشق " لن يكون لها أي فائدة الا في الانطلاق واقتناص الصيد .


    ان عملية الهيجان " الشعر يصرخ والقصايد تصيح " ناتجة عن سكوت الشاعر " سكت " والسكوت حركة ارتدادية إلى الخلف أو تشبث في الأرض ، بينما الشعر وكتابة القصائد انطلاق في سماء الفكر والوعي والإبداع ، وكذلك الصمت ، يجري له ما يجري على السكوت , حيث أن الصمت والسكوت كلاهما انكماش إلى الخلف وتمسك بالأرض ،لا حركة انطلاق إلى الأمام مثل الشعر ، فالشعر موقف إنساني متحرك لا يؤمن بالجمود , وكل من الفعلين المضارعين "يصرخ " وتصيح " يوحيان بالحركة ، أما الصمت فمرتبط إما بفعل الماضي "سكت " الذي اخرج الشاعر من نطاق الزمن الاني ، وجعله يغيب عن نفسه وعن شعره ، وإما مرتبط باسم جامد " صمتي فراش وغطا " ,والكلمات الثلاثة كلها أسماء , والأسماء دائما ما تكون جامدة ، أي لا روح فيها ولا حياة , وليس لها أي علاقة تربطها بالزمن .
    نعم ... يتواصل حديث الشاعر شبه الأزلي مع الصمت " سكت – صمتي " لتأكيد حالة البحث عن الموجود الغائب , الذي ارتأيناه في شعره ، وكما هو واضح في العديد من نصوصه .
    الصمت هنا محرض علي الكتابة وقول الشعر ، سواء الصمت المعلن الواضح الدالة عليه عبارة" صمتي " أو الصمت المفهوم من الكلام " سكت " , لهذا كان كلا الفعلين السلبيين السابقين عامل تحريض لكتابة الشعر ، ففي الصمت المفهوم كان " الشعر يصرخ والقصائد تصيح " . , أي أن السكون محفز للوثوب الشعري , وانعتاق للقصائد من براثن هذه القبضة النفسية التي تجذب الشاعر إلى الخلف , أما الصمت الواضح المعلن بشكل جلي , فهو محفز اخر للكتابة , حيث أن القلب مكمن الشعور , والشعر نابع من الشعور , وكما أوضح ذلك الشاعر نفسه في احد نصوصه , التي مرت بنا في هذه القراءة " شعري شعوري صانعة ما صنعني " , وما دام هذا القلب عاريا كما يقول " القلب عاري " أي مستعد للانطلاق والتوثب والتحليق فى سماء الكلمة الشعرية الجميلة , يوضح الشاعر هنا أن صمته " فراش وغطاء " , وذلك من خلال قوله " وأنا صمتي فراش وغطا " , أي ما على القلب إلا التحرك والانطلاق والإفلات من قبضة الصمت , الذي هو محفز اخر لكتابة الشعر .


    يعود الشاعر للحديث عن الصمت والسكوت مقابل الشعر , الذي تغلب عن طريقه الشاعر فى كل مرة على هذا الهاجس الخانق له ولموهبته . فالسكوت الزائد عن حدة , انقلب سلبا على الشاعر " صمتي وجعني " , وفى هذا الكلام تأكيد بأن الشاعر لا يجيد الا التحليق والتغريد في سماء الشعر ., بعيدا عن أرضيه الصمت أو صمت الأرض الخانق , لذا , كان الصمت عنصر إعاقة للشاعر , حبسه عن الحديث عن نفسه للشعر , أو الحديث للشعر عن نفسه , لهذا كان جمال شعره - كما يقول هو عن نفسه وعن تجربته الشعرية – خير خانق لذلك الصمت الذي ازداد بشاعة مع تدفق كلمات الشاعر , وانطلاق مفرداته من عالم العدم ومجاهل الغيب إلى حيز الوجود , الذي أظهره الصمت بردائه المعروف والمعتاد , وهو البشاعة , لأن الصمت أسلوب جذب الى الوراء , بينما الشعر حركة اندفاعية إلى الأمام .
    فى هذا البيت نتفهم العلاقة التأزمية بين الصمت والشعر بشكل واضح , فالصمت موجع للشعر كما صرح في أكثر من بيت سابق , غير أنه أخرج هذه الحالة التأزمية من حاله معنوية مجردة " صمتي وجعني " , إلى حاله حسية ظاهرية " صمتي بشاعة " , وأن عملية انطلاق الشاعر في الحديث والكلام , ما هي إلا شموخ , ارتقى فيه الشاعر على الصمت الموجع البشع , الذي الم الشاعر داخليا وخارجيا . .


    يظل موقف الشاعر المتأزم من الصمت مستمرا ومتواصلا , في كل مرة يطل معنا الشاعر بها , أو في أغلب الأحيان , حينما يحلو الحديث عن الشعر . يظل الصمت موحشا في كل حالاته , لأنه عدو للحرية , وعدو للانطلاق , وعدو للإنعتاق من حجرية السكوت , . يظل الصمت جاثما فوق صدر الشاعر , كجثوم كل شيء , مرعب وموحش , لأنه سعد الحريص الشاعر , وكما عرف هو بنفسه " وأنا شاعر " وسيظل كذلك . الصمت انخفاض فى التفكير وتدن في مستوى الوعي , " والصمت مثل الوطا " , والشاعر كالطائر المحلق فى السماء , الطائر الحر الأصيل الذي لا يعترف بالمنخفض من الأرض , ولا يؤمن إلا بمناجاة القمم , والحديث الجميل مع الطبيعة فى ملكوت الشعر .
    يتواصل الحديث عن الصمت الذي وصفه الشاعر أكثر من مرة ، وبأوصاف تدل علي الألم والوجع والبشاعة ، وها هو الشاعر يتواصل في هذا الاسترسال المستمر في الحديث عن الصمت " الصمت موحش " , وكذلك وصفه بأنه مرعب للشاعر العاشق للطيران , و التحليق في سماء الشعر وملكوت هذا الفن الإنساني الجميل ، وما دام الشعر تحليق وارتفاع عن الأرض ، والأرض المعادلة للصمت ، وذلك حينما وصف الشاعر الصمت بقوله " والصمت مثل الوطا " نفهم من هذا الإيحاء ، أن الشاعر مثل الصقور التي لا تحب الأماكن المنخفضة ، فهذا الصمت الذي وصفه الشاعر ذات مرة بأنه " الفراش وغطا " أي انه ملتصق بالأرض ، وان لم يكن هو الأرض نفسها ، ها هو الشاعر يعود لنفس المشهد ، لكن بطريقة مختلفة ، وبروح أخرى وصفا الصمت بقوله " والصمت مثل الوطا " , أي أن هذا الصمت مثل الأرض المنخفضة لا الأرض الجبلية , ومن خلال هذا الفهم نكاد نصل إلى أن الشاعر لديه إحساس الصقور ومن أهم ميزات هذه الطيور الأصيلة التحليق بعيدا عن الأرض , ولا تهبط في الأماكن المنخفضة , وكذلك الصمت ، ليس من منازل الشاعر , ولا يحلم بالركون إليه .



    يتلون الصمت في حياة الشاعر الفنية ، وفي أسلوب شعره , بوجوه متعددة , من الم وجع ورعب وبشاعة , ليتشكل في ما بعد , بأعنف هذه الأشكال , ألا وهو السجن .
    " أنا حبيس الصمت " " , والحبيس " مأخوذة من الحبس , والحبس من أسماء السجن
    الصمت يعزل الشاعر عن قول الشاعر وكتابه القصائد وكأنه يسجنه عن العالم المحيط من حوله , لا من أجل التأمل أو محاسبة الذات ومراجعه النفس , بل من أجل التراجع والانكماش والتقهقر إلى الوراء , لهذا فالصمت كالسجن الذي يعزل المرء عن محيطه الاجتماعي واقعه المعاش . إن هذا السجن الصمتي , ,سجن نفسي , يضيق به الشاعر ويسلب منه إرادة الحياة , وينتزع منه حرية الانطلاق , انطلاق الأحاسيس , وفرد ذراعيها للشعر , والطيران متحدية كل انحناءات الزمان الذي ظل يضيق على الشاعر , مؤازرا الصمت , وكأنهما الكماشة .
    إن هذا الاعتراف من قبل الشاعر , أشبه ما يكون بتشخيص للحالة المرضية التي يعانى منها الشاعر , لهذا أعلن وبكل إصرار , بأعلى صوته قائلا " ولا مداني زماني " , وكأنه كان يريد الخروج على كل شيء من حوله , ويسعى لكسر كل البراويز والأطر التي حكمت علاقة الشاعر مع الأشياء من حوله , بدءا بالصمت الذي أخذ صورة السجن النفسي , الذي يضيق وينكمش ويتمركز في وجدان الشاعر , مشكلا عبئا ثقيلا عليه , ومتسللا إلى مشاعر الشاعر التي هى أغلى ما يملك .




    الصمت رغم قسوته المريرة على الشاعر , كما لاحظنا في العديد من الأبيات , التي تطرقنا لها في هذا الموضوع , إلا أنه محفز للكتابة , ومحرض على الخروج من جدلية الصمت , التي ظل يدور فى فلكها الشاعر , كل هذا الدوران, فهذا الساتر النفسي كان يحول بين الشاعر وبين التصريح بما كان ينوى التصريح به , أو قوله لنا بشكل علني , نفهم من هذا الكلام وجهة أخرى , أو حياة أخرى مكبوتة , كأن الشاعر توصل لها , وأدرك بأن وراء هذا الساتر النفسي المخيف البشع , والذي وصفه في أكثر من بيت بعدة أوصاف , ذكرناها انفا , . نقول إن هذا الساتر الصمتي هو فى الحقيقة , أو من زاوية أخرى, كالينبوع المائي المكبوت الذي لم يجد له فرصة للخروج , أو الانتشار, لهذا التفت له الشاعر مؤخرا , او فى هذا الوقت , كمن اكتشف أمرا ذا أهمية بين طيات هذا السكون , وكأن في السكون لغة أخرى , لا يحسن الجميع التعامل معها , أو بحاجة لمن يقوم بترجمة هذا الكلام المكبوت المحبوس إلى كلام مفهمو مسموع , لهذا كان هذا النحت أشبه ما يكون بالحفر في كتلة صخرية منيعة الاستسلام , وغير سهلة الانقياد , ونتيجة لهذا الإصرار في عملية النحت , كان سيلان الروح والمشاعر التي ترجمت لنا أحاسيس الشاعر , في هذا القالب الشعري المسمى ب " البيت " الذي سالت كلماته على الورق , أو لعلنا نفهم من هذا الكلام , وهو النحت في هذه الصخور الصمتية , انفجار للبركان الكامن خلف هذا الصمت , الذي تمثل بسيلان الروح واشتعال الحروف , وكأننا أما مشهد لاحد البراكين التي تسيل منها الأحجار والصخور بسبب شدة الحرارة الملتهبة أو تطاير الحمم البركانية إلى أعنان السماء , بعد كل ذلك الصمت الطويل ...
    من خلال ما سبق ذكره , والاستفاضة فيه , يظل الشاعر سعد الحريص من أجمل الشعراء الموجودين في الساحة , له حضوره بين جمهور الشعر غير المزيف . تفنن في القصيدة العمودية , إلا أنه لم يتجاوز حتى الان " رميت الورد " , وهي من الطراز التحديثي , والذي أخذ أكثر من مسمى , ما بين شعر تفعيلة إلى قصيدة حرة , ولكي تتضح الرؤية حول هذا النص , سأورد مقطعا بسيطا منه, حيث يقول في " رميت الورد

    ( رميت الورد ... طفيت الشمع )
    مضى عامين
    ما مر بكلامي دمع
    ولا مريتي بعيوني
    يا إنتي
    أي حزن اللي تركتي لي
    وأي إحساس
    يا كل الأرض
    في قلبي ... وكل الناس


    أقول لم يتجاوز هذا النص بنسقه التحديثي بنص شعري اخر من نفس السياق . كما أن الموقف من الشعر , وعلاقته بالقصيدة , التي هي موضوع هذه القراءة , قد شغله عن المرأة , حيث أرى أن صورة المرأة في نصوص الحريص , صورة هلامية غير واضحة الملامح , تأتي لتغيب , بل إنها تغيب أحيانا ولا تظهر . وهنا نكاد نجزم بأن هذا الشاعر يشكل إشكالية بحد ذاته , ليس من خلال الإشكالية التي كانت محور الدراسة ا , بل إشكالية من حيث العلاقة مع المرأة , وهي إشكالية لا تتعلق بالدرجة الأولى بالطرح , وإنما إشكالية من حيث فهم المتلقي لهذه الزاوية , باعتبار أنها غامضة , ويعلوها كثير من الضبابية .

    تابع
  6. طير القوافي
    14-09-2010, 02:30 AM

    رد: ديوان الشاعر سعد الحريص

    ديوان الشاعر سعد الحريص


    وايضا قالو:.

    الكتابة عن الشعر تفوق - أحيانا - الشعر ، لأنها - كما تفضلت - تكتشف ، وتجد لذتها في هذا الاكتشاف . ما أكثر الشعراء ! ولكن ما أقل أولئك الذين يحسون بالشعر ، أو يحسون بالشاعر حين يتنفس . وهنا جئت إلينا بشاعر رئته شعره ، يشعر المرء وهو يقرؤه أنه يكتب الشعر ليعيش . ومعنى " ليعيش " فهمهما المبدعون فانزوا وانطوا ، واعتزلوا ، وعاشوا حياتهم للشعر ، وفهمها أنصاف الشعراء فعاشوا ، ولكن بطريقتهم الخاصة ، وبلعلعتهم من فوق المنابر . إنني دائما أقول ، وأكرر ، : الشاعر الحقيقي في زماننا يحب المحبرة أكثر . إنه في الحبر كالسمكة في الماء .




    \
    /
    \
    ايضا قالو:..


    روح هذا الشاعر متسامية،
    أشعر بها حد الملامسة.
    لست أنا وحدي من يشعر بها.


    وايضا قال الشاعر عيضه السفياني ( من شعراء المليون )

    في كل مرة ينبت لي عين وقلب ورئة..
    سعد الحريص شاعر استطاع أن يؤثر في الأخرين من بعده ، كتب هذا الأبداع ومضى وهذا السلوك لكل مبدع حقيقي
    وبالفعل لو أن القصائد على الورق بيوت لأتضحت الفروق بينك ياسعد وبين الأخرين..
    :


    محبتي
    طير القوافي


    شي قليل نقدمه لشاعرنا وشاعر الاحاسيس / سعد الحريص
  7. NEXT
    21-09-2010, 05:57 PM

    رد: ديوان الشاعر سعد الحريص

    ديوان الشاعر سعد الحريص


    شكرا

    الله يعطيك العافية
  8. طير القوافي
    21-09-2010, 07:38 PM

    رد: ديوان الشاعر سعد الحريص

    ديوان الشاعر سعد الحريص



    اسعدني تواجدك وحضورك المشرف لي كثير
    طول الله عمرك ياطويل العمر
    الله يعافيك
    حياك الله

    مودتي
    طير القوافي
123