مقال اعحبني


لا يوجد في المملكة وتحديدا في القطاع الحكومي رقابة دقيقة على ما يسمى في إدارة الأعمال ب"تعارض المصالح" أو Conflict of Interst. المقصود بذلك أن يتقلد المسؤول وظيفة تؤثر قراراته فيها على مصلحة خاصة ثم لا يتم الإفصاح عنها. وكمثال على ذلك أن يكون الأستاذ (ص) مديرا لإدارة مشاريع في إحدى الوزارات مثلا بينما هو أو أحد أبنائه يملك شركة مقاولات قد تتقدم لبناء مشروع جديد لهذه الوزارة ولا يتم الإفصاح عن هذه العلاقة. هنا يقع (ص) في خطأ يحاسب عليه إذ كان يتوجب عليه أن يفصح عن علاقته بهذه الشركة قبل دعوتها للمناقصة ويبادر إلى الانسحاب من المجموعة التنفيذية التي ستقرر من سيفوز بعقد البناء لذلك المشروع.
الذي شدني لتناول هذا الموضوع هو وجود حالتين من تضارب هذه المصالح في قطاع يعتبر من أكبر القطاعات نموا في الاقتصاد السعودي، ذلك هو قطاع الاتصالات. الحالة الأولى وجود الدولة ممثلة في صندوق الاستثمارات العامة كشريك في ملكية شركة الاتصالات السعودية STC وبنسبة أغلبية مطلقة 70%. هذه الملكية الضخمة لا تجعل الدولة طرفا محايدا ومسؤولا عن التشريعات ومتابعة تطبيقها من خلال هيئة الاتصالات أو وزارة الاتصالات في هذه البيئة الاستثمارية التي تضم تحت مظلتها أربع شركات مساهمة أخرى وبرؤوس أموال هائلة جميعها في تنافس محموم مع شركة الاتصالات السعودية. كان يجب على الدولة قبل أن تسمح بوجود شركات منافسة لشركة الاتصالات أن تبيع استثماراتها التي تشكل الأغلبية من هذه الشركة حتى تتمتع مراقبتها بالمصداقية والحياد. وهذا ليس من عندي بل هو استنادا إلى الشروط الموقعة بواسطة المملكة العربية السعودية مع منظمة التجارة العالمية والتي لم يستثن فيها قطاع الاتصالات كما حدث في صناعات البتروكيماويات مثلا. إذا الدولة مطالبة بالتخلص من استثماراتها في قطاع الاتصالات، إلا أن ذلك لم يتم بعد. فهل انتهت كل الفرص الاستثمارية للدولة بحيث لا تتمكن من إيجاد مكان اخر لهذه الأموال بعد تحرير هذا القطاع؟
الحالة الأخرى وجود محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي في منصبين تتعارض بينهما المصالح. فهو بالإضافة إلى مؤسسة النقد، رئيس لمجلس إدارة شركة الاتصالات السعودية. والشركة كما نعرف تتعامل مع البنوك بطريقة مستمرة. ليس ذلك فحسب بل إن الشركات المنافسة للاتصالات تتعامل مع نفس البنوك وتقترض وتنمو بواسطة التسهيلات البنكية. البنوك والسياسات النقدية هي تحت تصرف مؤسسة النقد ومن هنا فإن وجود هذا المسؤول هنا وهناك يعتبر مخالفا لنظام الإفصاح عن تعارض المصالح. لست هنا في موقف المشكك بنزاهة أو مهنية المحافظ لكنني أتحدث فقط عن التعارض الموجود. ألا يوجد رجل اخر بإمكانه اعتلاء منصب رئاسة مجلس إدارة الشركة؟ فإذا جمعنا وجود المحافظ كرئيس لهذه الشركة وكمحافظ لمؤسسة النقد التي تشرف على جميع البنوك التي تقرض كل هذه الشركات ثم أضفنا إلى ذلك وجود الحكومة وهي المشرع والمراقب لكل القطاع كمساهم رئيسي في نفس الشركة فإن تعارض المصالح هنا يعتبر صارخا ويجب أن يتوقف من خلال تخلص الدولة من حصتها الكبرى في هذه الشركة وابتعاد المحافظ عن رئاسة مجلس الإدارة.
لا أعتقد أن بول وولسون كان يتقلد مثل هذه المناصب عندما تم تعيينه وزيرا للخزانة الأمريكية ولا أظن أن اللجان الفرعية في الكونغرس الأمريكي كانت ستسمح له بذلك عندما تم استجوابه قبل التعيين ومباشرة العمل كما هي العادة هناك. اقتصرت في حديثي عن هاتين الحالتين فقط غير أن هناك بلا شك العشرات من الحالات المشابهة. وكأننا نكرس المثل الشعبي الذي يقول "ما في هالبلد غير هالولد". وللعلم فإن الحديث عن هذا التعارض ليس فقط مخالفة لأدوات الرقابة بل إنه يتناول مباشرة مستويات القدرة التنافسية المنشودة والتي تهم المستخدم والمستثمر بشكل عام. وجود البيئة التنافسية التي تتمتع بالحيادية والاستقلال إنما يأتي بالتطور والإبداع المنشود بعكس احتمال وجود الانحياز أو تعطيل المصالح وشعور المنافس بالغبن في بعض الأحيان.
أختتم بمناشدة ديوان المراقبة العامة القيام بدوره في فرض الرقابة الإدارية من خلال البحث عن مثل هذه التعارضات في المناصب ووضع الحد المناسب لها. ديوان المراقبة العامة لا يجب أن يتوقف دوره على مراقبة المال بل على الكيفية التي يتم من خلالها تعيين بعض المسؤولين ومحاولة إيجاد الحيادية قدر الإمكان في الأجهزة المعنية بصناعة القرارات. لو أدرج ديوان المراقبة العامة هذه المخالفات المعروفة عالميا ضمن أجندته لتمكن من تفادي الكثير من المشاكل والعوائق الاستثمارية التي قد تأتي بسبب هذه التعارضات في المصالح.


أحد مقالات الوطن لعدد يوم الأثنين
أعجبني وأحببت أن تشاركوني القراءة والرأي