أميِّ .. سَيدةُ البَهاء 1 / 4 ( لمصطفى الشليح )

المواضيع الأدبية التي لا تندرج ضمن باقي الأقسام ارسال إلى Twitter ارسال إلى facebook
  1. ترلباس امينة
    19-03-2009, 05:04 PM

    أميِّ .. سَيدةُ البَهاء 1 / 4 ( لمصطفى الشليح )

    أميِّ .. سَيدةُ البَهاء 1 / 4 ( لمصطفى الشليح )


    وقفتُ تطلّ عليَّ ..
    كانت الساعة في حدودِِ الرابعة بعد الزوال من يوم الجمعة 05 ذي القعدة 1428 الموافق 16 نونبر 2007.

    كلّ شيء كانَ يوميا مُعتادا كسائر أيامِنا الوسنى/ الجميلةِ.

    أرقتْ أميِّ ليلة الخميس حتىَّ حدود الخامسةِ صباحا، وكنتُ برفقتها أجرِّبُ الأرقَ الشفيفَ في حضرةِ السيدة الوالدة .. وكانتْ أحاديثنا خيولا من الكلام تعدو إلى حيثُ لا زمنٌ يعقلُ استرسالَ كلِّ شيءٍ في كلِّ شيءٍ.

    كنتُ، بين لحظةٍ وثانيةٍ، أهمسُ لها .. وسكونُ الليل يمدّ سمعا ليكون شاهدا ..ألا تنامينَ يا أميِّ قليلا ؟ كاد الصبحُ يشقّ قميصا وأوشك الليلُ ينكصُ .. ألا تنامينَ يا أميِّ أنا .. قليلا ؟

    تبتسمُ أميِّ ..
    لكأنَّ ابتسامتها ترفُّ قنديلا أو تخِفّ إلى قلبي هديلا ..
    تعتدلُ في جلستها تتأملُ مسعايَ إلى النور أوقده : ما بي سِنة من النوم يا ولدي .. دعني أرشفك بعينيَّ الان .. قد أنامُ فيما بعد ..

    لك ما تشائينَ يا أميِّ ..
    عينايَ مثقلتان .. تكاد الغفوة تأخذني .. فأفتحُ عينيَّ ثمَّ أستوي جالسا .. يا أميِّ .. لا أحبُّ لك إعياءً .. ولا نصبا .. نامي قليلا ..

    *
    *

    هُو الأذان
    أطلَّ الصبحُ يا أميِّ ..

    قالتْ :
    توضأ بماء الغيب والحلم

    أنا توضأتُ .. يا أميِّ
    بكلِّ شذى

    ينهلّ
    من ثغركِ المَسقيِّ بالكرم

    أنا تواجدتُ
    حينَ الليلُ صبَّحني

    رضاكِ.
    لا كانَ عنوانٌ إلى النوم

    أنامُ ..؟
    لي ما يتبقى مِنْ مُؤرقةٍ

    لكي أنامَ
    على وقد مِنَ الهمِّ ..

    لا .. لنْ أنامَ
    سوى في حضن سيِّدتي

    وأنتِ
    سيدتي مذ كنتُ .. يا أميِّ

    لا .. لنْ أنامَ
    فأميِّ ليسَ تحرسُني

    منيِّ
    وأميِّ هناكَ الانَ. مَنْ يحْمي ؟

    هُو الأذانُ
    فيا وحْدي .. أتسمعه ؟

    يا وحْديَ المرَّ
    نجمي .. شاردُ النجم ..

    أميِّ
    على شفةِ الرؤيا مُكبرة

    والليلُ
    يرسمُ لي أرجوحةَ النوم

    لا .. لنْ أنامَ
    أرى أميِّ تهدهدُني

    هلْ نمتَ
    يا ولدي .. يا مصطفى حلمي ؟

    قلبي عليكَ
    سهامُ البينُ ساهمةٌ

    أردتْكَ
    حينَ رمتْ بالبين كالسَّهم

    قلبي عليكَ
    تمادى الليلُ يَرسمُني

    ظلا عليكَ
    كأنيِّ مُسبلُ الغيم ..

    مرَّ الدليلُ
    إلى وسْم يسامرُه

    ولا دليلَ
    إلى ما كانَ منْ ختم

    فيا حبيبي
    قرأتُ اليومَ فاتحةً

    منَ الندى
    فرأيتَ المُنتهى يهمي

    نورٌ
    يُصافحني ميساء ايته

    أبي
    رأيتُ أبي في ذروةِ الضمِّ

    يمدّ لي
    يدَه البيضاءَ يا ولدي

    أسمو
    إليها .. لألقاها منَ اليتم

    أرى المَيامينَ
    منْ أهلي على شهبٍ

    مِنَ الجلال
    .. أراني ألتقي أميِّ ..

    هلْ نمتَ
    يا ولدي .. ؟ هذا الأذانُ علا

    قلبي إليه
    سِفارٌ .. سافرُ الوسْم ..

    دربي مديدٌ
    صَلاتي ثمَّ أدعيتي

    ثمّ الوقوفُ
    عكوفا .. في مدى صومي

    وطاعتي
    في هوى الرحمن خيرُ صُوىً

    للدرب
    تكلؤه .. بالخير والغيم

    فلا تنمْ
    ولدي .. في العُمر متسعٌ

    من الرحيل
    إلى ما ليسَ مِنْ فهم

    دعني
    أضمكَ في عينيَّ يا ولدي

    ما أبعدَ الضمَّ
    في الاتي .. منَ الحسم

    دعني
    أحط يدي ترعاكَ امنةً

    على جبينكَ
    حتىَّ ينجلي يومي

    لا .. لنْ أنامَ
    سألقي كلَّ أزمنتي

    لكيْ تحفكَ
    مَرضيا .. بلا غمِّ

    فلا تخفْ
    رُقيتي ذكرٌ ومِسبحة

    إذا قضى الله
    كانَ الأمرُ .. بالحتم

    ضُمَّ الإخاءَ
    أكنْ عينا تقرُّ به ..

    نامتْ
    لأشرَقَ دمعا فاضَ باليتمِ ..

    *
    *

    لم تنمْ أميِّ ليلة الخميس ..
    طفقتُ جالسا، بجانبها، أحادثها.
    تغمضُ عينيها حتى إخالها نعستْ .. فإذا بهما مفتَّحتان ..

    ما أنستُ منها تعبا لواحا .. لكنني كنتُ أخشى عليها إجهادا أكاد ألمحُ أثرا له يسعى على قدر.
    خلدتْ إلى غفوةٍ إثرَ غفوةٍ، بين الخامسة والثامنة صباها لتنامَ بعد ذلك إلى حدود الثانية عشرة إلا قليلا ..

    لم أكنْ بالبيتِ وقتئذ .. لكنني كنتُ على ديمومة اتصال هاتفي بمحلِّ ابنتها القائمة بأمر رعايتها .. وكنتُ أعرفُ أن أخويَّ سعيدا وحبيبا قادمان لتناول طعام الغذاء معنا.

    قدمتُ في الساعةِ الواحدةِ. ألفيتُ أخويَّ جالسين بالقرب منها يُجاذبانها أحاديثَ لا تخلو منْ مُلح وطرائفَ اعتدناها مع سيدةِ البَهاء .. أميِّ ..

    نظرتُ إلى وجهها، كما ألفتُ لأقرأ مزاجَها، فألفيتُ مُحياها طلقا تحفّ بها هالاتٌ من نور، وألفيتُ شفتيها تنفرجان بابتسامةٍ .. هي الدنيا بكلِّ زخرفها .. ما أجملَ ابتسامة أميِّ في هذا اليوم .. وما أرقَّ ابتسامتها .. منذ كانتْ أميِّ كانتْ ابتسامتها ترحابا بنا .. وبكلِّ عباد الله .. لا تلتقيكَ أميِّ إلا ارتسمتْ على شفتيها ابتسامة التلقي .. ابتسامة أهل الله وأوليائه الأصفياء الأتقياء الصالحين القانتين ..

    كلُّ شيءٍ يأخذ سمتَ الاعتياد.
    اطمأنّ قلبي .. وشكرتُ الله وأكثرتُ حمدا .. فأرقُ ليلة أمس مرَّ كأنْ لمْ يكنْ .. وسيدتي الوالدة وقفتْ تستقبلني لأقبلَ يديها وجبينَها .. ولتجذبني مُقبلةً خديَّ كما لم تعتد على ذلك منْ قبلُ .. أستغفرُ الله .. كانتْ سيدتي الوالدة، في الاونة الأخيرة، تضمُّني كلما حاذيتها أو جلستُ قربها لتقبلني بحرارة كأنيّ على سفر أو قادمٌ منه.. وأنىَّ لي أنْ أعرفَ أنها حرارة ما تبقى لي جوارَ أميِّ قبلَ سفر أخير؟

    أنىَّ، يا أميِّ، أحدسُ أنَّ ما تبقىَّ من اليُمن يكنسُه الممرُّ الأخيرُ إلى ما لستُ قائله ؟ يقتلني أمسي الذي غفوتُ فيه قليلا ..

    لو كنتُ أعرفُ لجثوتُ على ركبتيَّ أمامكِ أملأ عينيَّ منَ الجَمال النبويِّ السِّماتِ والصِّفاتِ .. لو أنني أعلمُ لصفقتُ كلِّ شيءٍ انصرافا .. ولسبقتُ قلبي إليكِ لأرتوي منْ مَعينكِ الكوثريِّ الهباتِ والنفحاتِ .. ولخرقتُ كلَّ أمكنتي وأزمنتي لأرتقني قبالة عينيكِ تقبيلَ يدٍ بيضاءَ عليَّ .. وعلى المُستروحين كباء شمائلك الغرِّ .. لو أنني كنتُ أقرأ ما ليس يُقرأ لألقيتني أمام سَجاياك الزهر أنظمُ منها عقودا لعُمري المنسيِّ قربَ عُمري .. ولو كنتُ يا أميِّ .. خبرتُ أمرا لصيرتني جسرا إليكِ حتى لا عروجَ إلى الخروج .. كنتُ أنعمتُ في الدخول .. يا أميِّ .. حتىَّ لا تفرّ تلك الأويقاتُ منيِّ .. وحتىَّ لا أفرّ إلى لحيظاتٍ أنا أستجمعُها.. الان .. لأكتبني إليكِ أجنحةً نائحةً على ما تناثرَ من وُريقاتٍ في الممرِّ الأخير ..

    ألمتْ سيدة البهاء .. أميِّ بما تيسرَ من ” الكسكس “. كانَ تناولها، منذ كانتْ، عفيفا حدَّ توهُّم حِميةٍ .. وما كانَ بها ما يستوجبُ حِميةً على مدى عمرها الجميل ..

    ألحَّ عليها أخي الأصغر حبيبٌ في الاستزادةِ، لكنها أشارتْ بطرف العين أنْ في الذي أخذته كفاية .. أومأتُ إليه أنْ يدعَها كما ترضى ..

    انصرفَ أخوايَ إلى مكتبيهما واثقين أنَّ السيدةَ الوالدةَ في حالتها العادية. قبلا يديها ورأسَها .. فأخذتهما باليد لكي تقبلهما على خديهما على النحو الذي حدثتكَ عنه سابقا.

    نظرا إليَّ فابتسمتُ. كنتُ سعيدا بها .. وبتوهُّجها المتألق الأنيق .. وأميِّ أنيقة في مختلفِ مقاماتِها وأحوالها ..

    قلتُ لسيدةِ البهاء مُستعطفا : رجاءً .. يا أميِّ .. نامي وإنْ سويعةً لتستريحي .. يا أميِّ
    تركتني أعد لها مخدتها لتتمدد على الفراش .. سحبتُ إزارا لأغطيها به .. لم تمانعْ ..

    قلتُ لها: سأتخذ متكأ في الغرفةِ المقابلة لأستدركَ ما ندَّ عنيِّ من النوم ليلة أمس .. ابتسمتْ . فتركتها وما كانتْ أسبلتْ عينيها .. ومحلّ ابنتها قبالتها لمؤانستِها.

    ألقيتُ بي على الفراش .. وسمْعي مرهفٌ يتابع ما يدورُ في الغرفة الأخرى حيثُ أميِّ .. لم أغفُ وإنْ كانتْ عينايَ مقفلتين .. وما فتئتُ أبتسمُ ونتفٌ مِنْ مُداعباتِ أميِّ لمحلِّ ابنتها يتناهى إليَّ .. فأميِّ كانتْ رقيقة الحاشية بديعتَها، وكانتْ لينة المعشر وديعتَه، وذات بديهةٍ حاضرةٍ مُتوقدةٍ في إدارة الحديثِ بكلِّ ما فيه منْ إيماض وإحماض ..

    و فجأةً لم أعد أسمعُ. أحسستني غيرَ وحيدٍ ..

    ***
    .
    .

    * مقتطف من كتابي ” أميِّ .. سيدة البهاء ” الذي أصدرته في الذكرى الأربعينية لسيدتي الوالدة عليها من المهيمن الرحمن كل مرحمة ورضوان




    مصطفى الشليح
  2. *مزون شمر*
    19-03-2009, 11:05 PM

    أميِّ .. سَيدةُ البَهاء 1 / 4 ( لمصطفى الشليح )


    منقول رائع
    يعطيك العافيه
    دمتِ بخير